باريس تستأنف التصدير إلى السودان بعد توقف دام “18” عاماً
القمح الفرنسي.. عودة لبورتسودان
الشحنة القادمة “67” ألف طن..توقعات بزيادة الطلب
“341” مليون دولار قيمة واردات القمح ..في نصف عام
د فتحي: تنويع مصادر القمح ضرورة لتقليل مخاطر الاضطراب
خبير اقتصادي: زيادة إنتاج القمح محلياً تخفف الضغط على النقد الأجنبي
تقرير – رحمة عبدالمنعم
بعد انقطاع استمر نحو “18” عاماً، يستعد السودان لاستقبال شحنة قمح فرنسي تقدر بنحو 67 ألف طن، في خطوة تعيد فرنسا إلى قائمة موردي القمح للسوق السودانية، وسط تحولات تشهدها تجارة الحبوب العالمية واضطرابات متزايدة في الإمدادات القادمة من منطقة البحر الأسود.
بورصة لندن
وأظهرت بيانات صادرة عن مجموعة بورصات لندن، الخميس، أن سفينة لنقل البضائع السائبة من المقرر أن تحمل نحو 67 ألف طن من القمح الفرنسي متجهة إلى السودان خلال الأيام المقبلة، في أول عملية شحن من نوعها منذ عام 2008.
وبحسب البيانات، كان مقرراً أن تبدأ السفينة عمليات التحميل الأربعاء في مدينة رون الفرنسية، على أن تستكمل تحميل الشحنة خلال الأسبوع المقبل في ميناء دنكيرك شمال فرنسا، قبل التوجه إلى السودان.
وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن فرنسا، أكبر منتج للقمح في الاتحاد الأوروبي، لم تصدر شحنات من القمح إلى السودان منذ أغسطس 2008، ما يمنح الصفقة الجديدة أهمية خاصة من حيث عودة أحد كبار المنتجين الأوروبيين إلى السوق السودانية بعد غياب طويل.
خريطة الإمدادات
وتأتي الشحنة الفرنسية في وقت يراقب فيه المتعاملون في أسواق الحبوب العالمية مدى اتجاه الدول المستوردة إلى تنويع مصادر مشترياتها، في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة التجارة بمنطقة البحر الأسود نتيجة تصاعد الهجمات على الموانئ والسفن المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية.
ولم يتضح حتى الآن ما إذا كانت شحنة القمح الفرنسي الموجهة إلى السودان تمثل بديلاً مباشراً للإمدادات الروسية أو الأوكرانية، إلا أن عودة القمح الفرنسي تفتح أمام السودان خياراً إضافياً لتوسيع قاعدة الموردين وتقليل الاعتماد على مصدر واحد.
وتحتل روسيا موقعاً متقدماً بفارق كبير بين موردي القمح إلى السودان، إذ أظهرت أرقام البنك المركزي السوداني أن قيمة واردات القمح من روسيا بلغت نحو 341 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، من إجمالي واردات قمح بلغت قيمتها نحو 381 مليون دولار.
ومن حيث الكميات، استورد السودان نحو 1.3 مليون طن من القمح خلال النصف الأول من العام، فيما تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية أن تصل وارداته السنوية إلى نحو 2.8 مليون طن خلال موسم 2026-2027، مع استمرار ارتفاع الطلب على القمح المستورد منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023.
قرار الاستيراد
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي إن القمح الروسي يُعد من بين الأرخص سعراً، يليه القمح الأوكراني، في حين يتميز القمح الفرنسي بمستويات مرتفعة من الجودة والقيمة الغذائية وانخفاض نسبة الفاقد أو الهالك، وهو ما ينعكس على ارتفاع سعره مقارنة ببعض الأنواع الأخرى.
وأضاف فتحي لـ «الكرامة» أن كثيراً من الدول المستهلكة للقمح تفضل عادة قمح منطقة البحر الأسود لقرب مصادره من أسواق الاستهلاك، إلى جانب جودته وأسعاره التنافسية، إلا أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية أسهمت في زيادة الضغوط على أسعار القمح عالمياً وأثرت في استقرار سلاسل الإمداد.
ودعا الخبير الاقتصادي الحكومة والجهات القائمة على مشتريات القمح إلى عدم ربط واردات السودان بدولة بعينها، وأن تكون المفاضلة بين الموردين على أساس المواصفات المطلوبة والسعر والجودة وشروط التوريد والتسهيلات المقدمة، بما يحقق أفضل عائد للاقتصاد السوداني ويضمن تأمين احتياجات البلاد من القمح الخام.
وأوضح أن استيراد القمح يتم نقداً وبالعملة الصعبة، الأمر الذي يجعل اختيار العروض الأكثر ملاءمة من حيث الأسعار والتسهيلات والتمويل مسألة ذات أهمية مباشرة في ظل الضغوط التي تواجه النقد الأجنبي.
وقال هيثم إن توسيع التعاون مع دول مجموعة البريكس أصبح ضرورة للاقتصاد السوداني، خاصة مع اضطرابات التجارة العالمية واعتماد البلاد على الاستيراد، وأكد أهمية تنويع مصادر السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح، والتوسع في الاستيراد من دول مثل روسيا والهند، مع استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، بما يسهم في تقليل الضغط على النقد الأجنبي وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
الإنتاج المحلي
ويرى فتحي أن السودان يمتلك في المقابل إمكانات تمكنه من خفض وارداته من القمح، بل والوصول مستقبلاً إلى تقليصها بصورة كبيرة، وهو ما من شأنه تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي.
وأشار إلى أنه في حال تراوح السعر العالمي لطن القمح بين 250 و300 دولار، فإن استيراد نحو ثلاثة ملايين طن يمكن أن يكلف السودان ما بين 750 و900 مليون دولار، قبل إضافة تكاليف الشحن والتأمين والتمويل، وهي فاتورة كبيرة بالنسبة لاقتصاد يحتاج إلى المحافظة على موارده من العملات الأجنبية.
وشدد على أن إحلال جزء معتبر من هذه الكميات بالإنتاج المحلي يمكن أن يوفر للسودان مئات الملايين من الدولارات، إلى جانب تقليل تعرض البلاد لتقلبات الأسعار العالمية ومخاطر تعطل شبكات الإمداد الدولية لأي أسباب سياسية أو أمنية أو لوجستية.
وبينما تمثل عودة القمح الفرنسي إلى السودان بعد 18 عاماً مؤشراً على تنوع محتمل في مصادر الإمداد، فإن التحدي الاقتصادي الأوسع، بحسب خبراء، يظل في تحقيق موازنة بين تأمين الاحتياجات العاجلة من الأسواق الخارجية من جهة، والتوسع في الإنتاج المحلي من جهة أخرى، بما يقلص فاتورة الاستيراد ويحمي الأمن الغذائي من تقلّبات الأسواق الدولية.






