تباينت إزاءها مواقف التحالفات الإقليمية
حرب السودان..تدخلات وصراع نفوذ
تأزم العلاقات بين الخرطوم وعواصم مجاورة…تدخل إماراتي
حدود مفتوحة وأسلحة ومرتزقة..تهديد أمن المنطقة
السفير فتح العليم: توظيف المليشيات تسبب في تآكل سيادة الدول
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تمدّدت تداعيات الحرب في السودان إلى محيطه الإقليمي، ولم تعد محصورةً فقط في ساحات وميادين القتال، بل اتسعت ظلالها ورمت بعيداً في علاقات السودان بعدد من دول الجوار، في وقت تتزايد فيه الاتهامات والتجاذبات بشأن أدوار خارجية تلعبها دويلة الإمارات التي ظلت تدعم الميليشيا وتطيل من أمد الحرب وتداعياتها السلبية على السودان وجواره الإقليمي، وتبدو خطورة هذا الوضع في أن استمرار الحرب لا يستنزف السودان وحده، بل يهدد السلم والأمن الإقليمي بفتح المجال واسعاً أمام تدفقات السلاح، والمقاتلين، والجريمة المنظمة، فكلما طال أمد الحرب، ازدادت احتمالات تحول الحدود إلى مساحات مفتوحة للصراع غير المباشر، خصوصاً مع تنامي نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب وتجارة السلاح والذهب.
ترتيب حسابات
ويرى خبراء استراتيجيون أن حرب السودان قد دفعت إلى إعادة ترتيب الحسابات الأمنية والسياسية في القرن الأفريقي، حيث بدأت تحالفات قديمة تتعرض للاهتزاز، بالتزامن مع ظهور اصطفافات إقليمية جديدة، وتبدو تشاد وأثيوبيا وكينيا ضمن أكثر دول الجوار تأثراً بتداعيات الحرب، سواء بفعل الحدود والمصالح المشتركة أو نتيجة المواقف السياسية والعلاقات التي نشأت بين قيادات هذه الدول وميليشيا الدعم السريع والقوى المرتبطة بها الأمر الذي أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى علاقات السودان الإقليمية، ورفع من ثيرمومتر الارتياب والشكوك ما بين الخرطوم وبعض عواصم الجوار، حيث تحول السودان تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، مع دخول ملفات السلاح والإمداد والحدود واللاجئين والذهب والنفوذ السياسي على خط الصراع، ليبقى السؤال إلى أي مدى سيستعيد السودان علاقاته التقليدية مع محيطه، وهل ستؤسس سنوات الحرب لخريطة إقليمية مختلفة؟.
علاقات على المحك
والواقع أن الحرب قد هزَّت جسور ثقة السودان مع بعض دول الجوار، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد في تشاد أن تداعيات الحرب قد تداخلت مع العلاقات الحدودية والروابط الاجتماعية والقبلية، فضلاً عن قضية اللاجئين، بينما أصبحت الحدود الغربية للسودان واحدة من أكثر المساحات حساسية في الحرب،، وأما على صعيد أثيوبيا، فقد أضيفت الحرب إلى قائمة طويلة من الملفات الشائكة بين البلدين، من الحدود إلى المياه والمصالح الأمنية، في ظل ضلوع أديس أبابا مباشرة في الحرب واستخدام أراضيها ومجالها الجوي في سياق العمليات المرتبطة بالصراع السوداني،، وأما على مستوى كينيا فقد أثارت استضافة نيروبي لأنشطة ولقاءات مرتبطة بقوى سودانية معارضة أو بميليشيا الدعم السريع، توترات سياسية انعكست على مستوى العلاقة بين البلدين.. وهكذا تحولت دول الجوار من مجرد متلقٍ لتداعيات الحرب إلى أطراف مؤثرة في مساراتها، بدرجات متفاوتة، وهو ما جعل إعادة بناء الثقة بينها وبين السودان واحدة من أصعب مهام مرحلة ما بعد الحرب.
تآكل
وبحسب مراقبين فإن الحرب السودانية لم تضعف العلاقات الثنائية فحسب، وإنما دفعت أيضاً إلى إعادة النظر في التحالفات والمنابر الإقليمية التي ظلت لعقود إطاراً لإدارة الأزمات، فمع تباين مواقف الدول تجاه الحرب، وتضارب مصالحها بشأن مستقبل السودان، أطلت رؤوس بعض الاصطفافات الجديدة التي تقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، بدلاً من التحالفات التقليدية، ويقول المراقبون إن هذا التحول قد يجعل مرحلة ما بعد الحرب مختلفة تماماً عن مرحلة ما قبلها، إذ لن يكون السودان أمام مهمة إعادة بناء مؤسساته واقتصاده فقط، وإنما أمام ضرورة إعادة صياغة علاقاته الإقليمية وفق معادلة جديدة تحكمها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة، ولعل الأخطر أ
انعدام ثقة
ويرى السفير نادر فتح العليم، الخبير في العلاقات الدولية وفض النزاعات، أن التدخلات الإماراتية في الشأن السوداني أحدثت، زعزعة كبيرة جداً في الإقليم، وأدخلت العلاقات بين دول المنطقة في حالة من انعدام الثقة بالتحالفات القديمة، وقال فتح العليم في إفادته للكرامة إن توظيف الميليشيات في الصراعات الإقليمية أسهم في تآكل سيادة الدول الأفريقية وتمزيق التحالفات والمنابر القديمة، مشيراً إلى أن أبوظبي اتجهت، بعد هزيمة ميليشيا الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة، إلى تطوير أدوات الحرب عبر إعادة الحشد والاعتماد على المسيّرات والأسلحة النوعية والتشويش الإلكتروني، واعتبر فتح العليم أن الهدف من هذا التوجه، هو إطالة أمد الحرب واستنزاف الجيش السوداني لأطول فترة ممكنة، مشيراً إلى إمكانيات تدريبية وتأهيلية وفرتها أبوظبي لهذا الغرض، وانتقد السفير الدور الإماراتي في المنابر الإقليمية والدولية المعنية بالسودان، وقال إن وجود أبوظبي داخل الآلية الرباعية جعلها، معوِّقاً أساسياً، الأمر الذي دفع السعودية والولايات المتحدة إلى الاتجاه نحو مبادرة جديدة بعيداً عن الرباعية، فضلاً عن تشكيل الآلية الخماسية من المنظمات الدولية، وضرب فتح العليم مثالاً بموقف الإمارات داخل الجامعة العربية، مشيراً إلى وقوفها، منفردة ضد إدانة أثيوبيا في قضية فتح أراضيها ومجالها الجوي أمام ميليشيا الدعم السريع، رغم وقوفها مع مصر في إدانة إثيوبيا داخل الجامعة العربية في ملف المياه، وخلص الخبير في العلاقات الدولية وفض النزاعات إلى أن التدخلات الإماراتية في السودان واليمن، أسهمت في فك الارتباط بين عدد من المبادرات والأحلاف، ودفعت نحو تحالفات جديدة قال إنها أصبحت أكثر استقلالاً عن أبوظبي، مستشهداً بالتقارب السعودي ـ الباكستاني ـ التركي واجتماعات الرياض التي ضمت 14 دولة، وقال فتح العليم إن هذه التحولات تعكس إعادة تشكيل لخريطة التحالفات في المنطقة، معتبراً أن الإمارات أصبحت معزولة تماماً في المنطقة وأنها باتت ذيلاً لإسرائيل.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. فإن الحرب السودانية تجاوزت حدود الصراع العسكري إلى إعادة تشكيل بيئة السودان الإقليمية، بعدما أصبحت مواقف دول الجوار وعلاقاتها بالقوى المتصارعة جزءاً من معادلة الحرب نفسها، ومع اقتراب أي تسوية سياسية أو عسكرية محتملة، سيجد السودان نفسه أمام ملف لا يقل أهمية عن إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، وهو ترميم علاقاته مع محيطه الإقليمي وبناء الثقة من جديد. فإنهاء الحرب قد يوقف البنادق، لكنه لن يمحو بسهولة آثار السنوات التي أعادت ترتيب التحالفات، وعمّقت الشكوك، ودفعت دول المنطقة إلى إعادة حساباتها، ومن هنا، فإن معركة ما بعد الحرب ستكون أيضاً معركة دبلوماسية لإعادة السودان إلى موقعه الطبيعي في محيطه، وبناء منظومة إقليمية أكثر توازناً تمنع تكرار تحويل أرضه إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين.






