أعلنت رفضها لدعوة الحوار داخل السودان “صمود”.. العمالة مستمرة

أعلنت رفضها لدعوة الحوار داخل السودان

“صمود”.. العمالة مستمرة

قالت إن عقد الحوار تحت سيطرة “طرف”يكرّس للتقسيم ..ذرائع الرفض

مقارنة الجيش مع المليشيا تصادم قناعات الملايين..مواجهة مع الشارع

التمسك بالرباعية والإعراض عن الحل الوطني..أجندة الخارج

خبير : الرفض والإقصاء توجّهات لا تصنع مستقبل الدولة

تقرير : محمد جمال قندول

لم يكن مفاجئاً رفض صمود الحوار، إذ أنها قوى سياسية ساندت الميليشيا وظلت توسم الجيش بطرفي النزاع ووقفت ظهيراً سياسياً لمتمردي آل دقلو التي قتلت ونهبت وسلبت الشعب، فإن هذا ليس بغريب عليها.
وكان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” قد أعلن رفضه القاطع لدعوة للحوار داخل السودان، وقال إن عقد أي حوار تحت دوي المدافع وفي مناطق سيطرة طرف واحد يُكرّس لتقسيم السودان بحكم الأمر الواقع ويفتقر للمصداقية.

وحسب خبراء السودانيون لم يعد يشغل بالهم لا صمود ولا غيره، فهم ظلوا سنداً قوياً للقوات المسلحة وقائدها رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ولا يكترثون بتحركات عملاء قحت.
رفض
وفيما يبدو أن قوي صمود لا زالت تعطي اعتبارا لقوي خارجية متورّطة في المؤامرة علي البلاد وذلك برفضها الدائم لدعوات الحوار في أكثر من مرة وظلت تتمترس بشعارات غير حقيقية وزائفة تضعها في مواجهة الشعب السوداني وذلك بمساواتها للقوات المسلحة مع مليشيا إرهابية .
ويرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي أن رفض “صمود” وحلفائها دعوة الحوار يحمل مفارقة سياسية كبيرة، فالمشكلة ليست في رفض الحوار، بل في المنطلق الذي بُني عليه الرفض.
فالقول إن الحوار داخل “مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب” يكرّس الانقسام ليس توصيفاً محايداً، لأنه يضع القوات المسلحة، بوصفها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، في مستوى واحد مع مليشيا الدعم السريع المتمردة عليها.
وهذا يصطدم بوجدان ملايين السودانيين الذين يرون الجيش جيش الوطن وحامي سيادته ووحدته. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس أين يُعقد الحوار، بل: هل تنظر صمود إلى الجيش باعتباره مؤسسة الدولة أم طرفاً مساوياً لقوة متمردة؟.
ويشير شقلاوي إلى أنه إذا كان الهدف هو إنهاء الحرب، فإن رفض أي حوار داخل السودان قبل تهيئة شروط سياسية وأمنية مثالية قد يحوّل شرط “الملكية السودانية” إلى قيد على الحوار نفسه، فالبرهان طرح مبادرة لحوار داخل البلاد، متعهداً بضمانات وحصانات للمشاركين، وبالتالي فإن إسقاط المبادرة من أصلها، بدلاً من التفاوض حول شروطها وضماناتها وآلياتها، يعني عملياً إغلاق مسار سياسي محتمل.
أما القول إن الحوار يمنح شرعية للحكم العسكري، فإذا كانت المشكلة في الضمانات والاستقلال والتمثيل، فهذه قضايا تُفاوض وتُحصّن، لا أسباب لإغلاق الباب، وحسب شقلاوي الأخطر أن الوثيقة تقصر دور الجيش والدعم السريع على المسارين الأمني والإنساني، بما يعيد إنتاج المساواة بين الدولة والتمرد.
كما أن الإقصاء المسبق للمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية يطرح سؤالاً حول معيار العملية السياسية: هل تحكمها المواطنة والقانون والانتخابات، أم قوائم جاهزة للإقصاء؟ فإذا كانت هناك جرائم، فمكانها القضاء والمحاسبة القانونية، لا الإقصاء السياسي الجماعي.
تبرز هنا مفارقة أخرى، حسب شقلاوي، في الحديث عن “الملكية السودانية الكاملة للقرار”، مع اعتماد خريطة “الرباعية” مرجعية للعملية السياسية، علماً بأن السودان يرفض هذا الإطار لوجود الإمارات ضمنه، وهي الدولة التي تعتبرها الحكومة السودانية معادية ومتهمّة بدعم الدعم السريع.
ويكمل المحلل السياسي شقلاوي قائلاً إنّ السودان يحتاج إلى الدعم الدولي، لكن الفارق كبير بين الدعم والوصاية، فدور الخارج ينبغي أن يكون التسهيل ودعم التوافق وضمان النجاح، لا تحديد شكل الحل أو هندسة الدولة المقبلة.
وختم محدّثي قائلاً إن السودان يحتاج إلى حوار، لكن ليس حواراً يساوي بين الدولة والتمرد، ولا حواراً يُدار بإملاءات الخارج أو قوائم الإقصاء. فالمطلوب حوار يعترف بالدولة ومؤسساتها، ويفصل بين الجيش والتمرد ويمنع نزع صفته الوطنية، ويجعل القانون حكماً، والخارج مُسهلاً، والشعب صاحب القرار.
تحفّظ
ويثير استمرار صمود في رفض الحوار أو التحفظ على بعض مساراته تساؤلات سياسية متزايدة حول رؤيتها للحل وموقفها من استحقاقات المرحلة المقبلة خصوصًا أن السودان يقف أمام أزمة مركبة لا يمكن تجاوزها بالمواقف الأحادية أو بإقصاء أي طرف من المعادلة الوطنية، بحسب رئيس تحرير المقرن محجوب أبو القاسم في حديثه للكرامة.
فالحوار، وفق أبو القاسم، ليس ترفًا سياسياً ولا يعني بالضرورة التنازل عن المواقف أو التخلي عن المبادئ، وإنما يمثل وسيلة لإدارة الاختلاف والوصول إلى أرضية مشتركة، وفي ظل الحرب والانقسام السياسي والاجتماعي فإن رفض الحوار بصورة مطلقة قد يضعف فرص الوصول إلى تسوية وطنية ويطيل حالة الاستقطاب.
ويلفت رئيس تحرير المقرن إلى أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت صمود ترفض الحوار فما البديل الذي تطرحه؟ وهل تملك تصورًا عمليًا قادرًا على جمع السودانيين وإنهاء الحرب ومعالجة آثارها وبناء مؤسسات الدولة، أم أن موقف الرفض أصبح غاية في حد ذاته، وإنما يدل ذلك بأن لها ارتباطات خارجية وتريد أن تجهض أي مبادرة للحل في الفترة المقبلة؟.
ويضيف محجوب في معرض الطرح، من حق أي قوى سياسية أن ترفض مبادرة أو مسارًا تفاوضيًا ترى أنه لا يحقق مصالح السودان، لكن من واجبها في المقابل تقديم بديل واضح ومُعلن حتى لا يتحول الرفض إلى حالة سياسية مفتوحة بلا أفق.
ويُكمل أبو القاسم، دائمًا ما تُقَدَّر صمود في وجه أي رؤية لخروج السودان من نفقه المظلم وذلك بسبب وجود أجندات أو مخططات خارجية لدرجة توصف بالعمالة أو تنفيذ أجندة أجنبية ذات ارتباطات بالخارج.
وفي المقابل، فإن أي قوى سياسية مطالبة بكشف مصادر دعمها وعلاقاتها الخارجية ومواقفها بصورة شفافة حتى لا تظل الساحة مفتوحة للتأويلات والاتهامات المتبادلة. فالسودان اليوم بحاجة إلى سياسة واضحة لا إلى شعارات، وحوار مسؤول لا إلى إقصاء، ومشروع وطني لا إلى محاور خارجية. ومن هنا فإن موقف صمود من الحوار يجب أن يكون محل نقاش سياسي جاد: ما الذي ترفضه تحديدًا؟ وما البديل؟ ومن هم شركاؤها في الحل؟ وما تصورها للدولة بعد الحرب؟.
ويقول محجوب إن المرحلة المقبلة لن تحتمل إعادة إنتاج ذات الخلافات التي سبقت الحرب، ولن يكون مقبولًا أن تُختزل الأزمة في صراع بين مجموعات سياسية تتبادل الاتهامات بينما يدفع المواطن الثمن.
وختم محدّثي،بالقول بأن الحل الحقيقي يبدأ عندما تضع القوى السياسية خلافاتها جانبًا وتجلس إلى طاولة واحدة وتقبل بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يكون ملكًا لحزب أو تحالف أو مجموعة وإنما حق أصيل للشعب السوداني. فالرفض وحده لا يصنع مشروعًا، والإقصاء لا يبني دولة، والحوار الجاد هو الاختبار الحقيقي لأي قوة سياسية تدعي امتلاك رؤية لمستقبل السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top