خارج النص
يوسف عبد المنان
“مندولة سهل”
*أخيراً خلع أحمد عثمان حمزة والي الخرطوم بزته العسكرية بعد ثلاثة سنوات، وظهر في مناسبتين ببدلة اشتراكية أنيقة المناسبة الأولى يوم الخميس الماضي في احتفالية سفراء قناة الجزيرة بتخريج دورة من الدارسين بلغ عددهم “١٢٠” دارساً وهو أول حلقة تدريب بخبراء من خارج الحدود تقام في السودان بعد الحرب.
*والمناسبة الثانية التي نحن بصددها احتفالية وزارة الثقافة والإعلام التي يقودها الأستاذ الطيب سعدالدين باستئناف النشاط الثقافي على ضفاف النيل الذي جف هذا العام ولم يفض خيراً على سكان الضفاف وفي موقع معدية توتي التي أصبحت حكاية وتاريخ قديم يرويه جيلنا إلى أبنائه ممن ولدوا في سنوات الإنقاذ بخصبها وجفافها ولم يشهدوا بنطون توتي ولم يدخلو اليفلم الهندي في سينما القاعة.
*أطلق على الاحتفالية(المندولة) وهو كتاب قصص للأديب سهل الطيب خرج من بين سنوات الحرب عن دار الخرطوم للطباعة والنشر وهي إحدى ثمرات جهد وعبقرية الطاهر حسن التوم ورفيق دربه غسان علي عثمان قبل أن تفرق بينهم الأيام كما فرّقت بين حمد الديبة وبين بنات طلسم (البلابل) ،وضع الكاتب سهل الطيب مندولته أمام ضيوف الاحتفالية إلى جانب ديوان شعر زميلتنا الرائعة مشاعر عثمان وضيوف الاحتفال ممن يرتدون فاخر الثياب والبدل وربطات العنق في بلد درجة حرارتها فوق ال”٤٠” واحتضنت الحسناوات ممن نعمت وجوههن النعمة ورجال نعمت أجسادهم السُلطة وفاخر المركوب من السيارات والعطور التي تفوح حتى يعطس مرضى الجيوب الأنفية تفرق الجمع وهم يحتضنون الكتاب المندولة ليضعه البعض في أدراج السيارة وآخرين يحملونه في الأيادي ولن يقرأ من في السلطة قصص وحكايات سهل الطيب التي أرغمتني في ذلك المساء لإغلاق شاشة التلفزيون رغم حرارة أول مبارة لريال مدريد أمام اسبانيول وتقدم الريال بهدف الانجليزي الأنيق بلينجهام وآثرت التهام حروف وأوراق كتاب المندولة وخلال ساعتين التهمت مائة وثلاثة صفحات من أروع ماقرات في العام الذي تسربل راحلاً.
*قصص وحكايات سهل الطيب من واقع الحياة في الأحياء والمواصلات العامة وستات الشاي والمقاهي وقصة المكوجي الأعرج الذي حفر لرجله غير المبتورة في عمق الأرض حتى يستطيع غسل الملابس وهو من يقف في المسجد ويوزع البلح للمصلين وقد حفظ كتاب الله ولم تعيقه عرجة رجله ولامهنته الشاقة وقصة الرجل الذي فقد ابنه الطالب حيث دهسه القطار في محطة السكة حديد في الخرطوم وأصيب والده بالجنون وظل يومياً يأتي لمحطة القطار وينتظر عودة ابنه الذي مات ويصف بدقة وروعة وألم الحذاء “الباتا” الذي ينتعله والشنطة القماشية التي يضعها في ظهره والرداء وفجيعة الأب في ابنه ذهبت بعقله وقصص أخرى أضافت سهل الطيب لأدباء آخرين أشعر بأنهم أصدقاء من الجزائر واسيني الأعرج ومن رواد الحداثة شكري المبخوت ومحمد شكري ومن هضاب وجبال إريتريا تروق لأمثالنا ممن ذهبت نضارة شبابهم وهم هيام،تروقهم قصص الاريتري الوسيم حجي جابر ومن أدباء بلادي يقف بركة ساكن وحده ويقف الطيب صالح وفرانسيس دينق صاحب رواية طائر الشؤم التي لم يكتب بعدها إلا في السياسة والتاريخ ولكنها ولجت به ساحة أدباء السودان قبل الانقسام الذي لم يلغي انتماء ابن دينق مجوك لأدباء السودان القديم ورواية واحدة قد تضع صاحبها في مقام رفيع وآخر تهبط به أسفل القاع.
*حكايات سهل الطيب تغوص في أعماق هذا المجتمع وسهل نفسه حكايه كما قال إسماعيل الإعيسر ابن منطقة الكرقل بجبال النوبة وقد فقد الرجل الكثير من بصره ولم تمتد له يد الدولة الطويلة مثل آخرين لأسباب نمسك في الإفصاح عنها لكن التجاني حاج موسى الذي كتب مقدمة الرواية قال إن حكايات سهل السهلة بلغتها العامية وحشدها لمشهد الأحياء الفقيرة والناس الأغنياء بفقرهم تستحق القراءة ولكن من تطوّع وتبرّع لهم الكاتب بإهداء موّقع بقلم “البك” لن يجدوا وقتاً لقراءة رواية جديرة بالغوص في أعماق أعماقها.






