بعد إسقاط مسيّرة استراتيجية بالنيل الأزرق قادمة من أراضيها
إثيوبيا.. تصاعد العدوان
الحادثة تؤكد اتهامات الخرطوم لأديس ابابا..دعم المليشيا
المُسيّرات المعادية التهديد يأخذ بُعداً إقليمياً ..حديث الجيش
العركي: استخدام الأراضي الإثيوبية يهدّد بفتح جبهة شرقية
تقرير ــ رحمة عبدالمنعم
تتجه المواجهة العسكرية في السودان إلى مرحلة أكثر تعقيداً مع تكرار الهجمات بالطائرات المسيّرة القادمة، بحسب القوات المسلحة، من اتجاه الأراضي الإثيوبية، في تطور يثير مخاوف متزايدة من انتقال التهديد من ساحات القتال الداخلية إلى مستوى إقليمي يمس بصورة مباشرة سيادة السودان وأمنه القومي.
إسقاط مسيّرة
وقالت القوات المسلحة السودانية في تعميم صحفي إن دفاعاتها تمكنت من إسقاط مسيّرة استراتيجية معادية جنوب شرق منطقة دندرو بولاية النيل الأزرق، بعد عبورها الحدود من اتجاه إثيوبيا، في واقعة تعيد إلى الواجهة الاتهامات السودانية المتكررة باستخدام الأراضي الإثيوبية منصة لانطلاق عمليات تستهدف مواقع داخل البلاد.
ولا تبدو الحادثة، وفق الرواية السودانية، معزولة عن سلسلة من الوقائع التي سجلت خلال الأشهر الماضية، إذ سبق أن اتهمت الخرطوم إثيوبيا بالضلوع في هجمات بالمسيّرات استهدفت مطار الخرطوم وقاعدة وادي سيدنا في أم درمان يوم الاثنين الرابع من مايو، وسقطت خلال تلك الهجمات إحدى القذائف في منطقة سكنية مجاورة للمطار.
وتشير هذه التطورات إلى تصاعد مستوى الاتهامات السودانية ضد أديس أبابا، خصوصاً مع حديث الجيش عن امتلاكه أدلة فنية تربط مسيّرات استُخدمت في هجمات سابقة بالأراضي الإثيوبية.
وفي أعقاب تلك الهجمات، قال المتحدث باسم الجيش عاصم عوض عبد الوهاب إن لدى القوات المسلحة «أدلة دامغة» على انطلاق مسيّرات من مطار بحر دار في إثيوبيا، موضحاً أن تحليل بيانات إحدى الطائرات التي سقطت خلال هجمات سابقة قاد إلى التواصل مع الجهة المصنعة، التي أفادت ــ بحسب تصريحاته ــ بأن المسيّرة التي تحمل الرقم «إس 88» مملوكة لدولة الإمارات، وأنها استُخدمت من داخل الأراضي الإثيوبية.
واعتبر المتحدث باسم الجيش أن ما توصلت إليه القوات المسلحة من معلومات وأدلة يجعل ما جرى، من وجهة نظر الخرطوم، «عدواناً مباشراً على السودان»، مؤكداً أن استمرار هذه العمليات لن يُقابل بالصمت.
اتهامات متصاعدة
وتكتسب واقعة إسقاط المسيّرة الأخيرة في إقليم النيل الأزرق أهمية إضافية لكونها تأتي بعد أشهر من بدء الخرطوم توجيه اتهامات علنية إلى إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في عمليات مرتبطة بالحرب السودانية.
وكانت الحكومة السودانية قد ندّدت في مارس الماضي، للمرة الأولى، بهجمات بطائرات مسيّرة قالت إنها انطلقت من الأراضي الإثيوبية، وسط اتهامات بأن الأراضي الواقعة شرق السودان أصبحت جزءاً من شبكة الإسناد اللوجستي والتحرك المرتبط بقوات الدعم السريع.
و أشار تقرير صادر عن وحدة أبحاث بجامعة ييل الأميركية في أبريل، إلى وجود نشاط في قاعدة عسكرية إثيوبية قريبة من الحدود السودانية يقدم دعماً لقوات الدعم السريع، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية التقطت خلال الفترة من ديسمبر 2025 وحتى مارس 2026.
وبالنسبة للخرطوم، فإن تكرار عبور المسيّرات من اتجاه إثيوبيا، إلى جانب الاتهامات المتعلقة بالمعسكرات والتحشيد والإمداد، يعزز الشكوك في أن الأمر لا يتعلق بحوادث منفصلة، وإنما بنمط دعم وتسهيلات قد يسمح باستخدام الأراضي الإثيوبية في إسناد عمليات عسكرية ضد السودان.
بعد إقليمي
ويرى الخبير الاستراتيجي الدكتور عمار العركي أن تكرار الوقائع وتأكيد القوات المسلحة عبور مسيّرات من الاتجاه الإثيوبي يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأنه يعني، بحسب تقديره، أن التهديد لم يعد محصوراً في مسرح العمليات الداخلي، وإنما بدأ يأخذ بعداً إقليمياً يمس السيادة والأمن القومي السوداني.
ويقول العركي لـ”الكرامة”، إن المشكلة عسكرياً لا تكمن في الطائرة المسيّرة وحدها، وإنما في مصدر الإطلاق، موضحاً أن استخدام أراضي دولة مجاورة كنقطة انطلاق لهجمات على السودان يمثل تغيراً نوعياً في طبيعة التهديد، وقد يرقى إلى صورة من صور الحرب غير المباشرة إذا ثبت وجود سماح أو تسهيل رسمي لهذه العمليات.
ويضيف أن خطورة المشهد تتضاعف في ظل الاتهامات بفتح الأراضي الإثيوبية أمام المعسكرات وعمليات التحشيد والإمداد لمصلحة قوات الدعم السريع، وهو ما يرفع، في تقديره، احتمالات نشوء جبهة جديدة على الحدود الشرقية إذا استمر التصعيد.
لكن العركي يشدد في المقابل على أن السودان يمتلك حق الدفاع عن أجوائه وحدوده، مع ضرورة أن يكون الرد محسوباً ومتدرجاً وألا يقود إلى توسيع دائرة الحرب دون حساب العواقب.
ويرى أن الأولوية العسكرية خلال المرحلة الراهنة ينبغي أن تتركز على تعزيز منظومات الرصد والمراقبة، وتأمين الحدود، ورفع كفاءة الدفاع الجوي، والتعامل مع أي أهداف معادية تدخل المجال الجوي السوداني، إلى جانب توثيق مسارات الطيران ومواقع الإطلاق وجمع الأدلة الفنية التي يمكن البناء عليها عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً.
مسؤولية مباشرة
وعلى المستوى الدبلوماسي، يرى العركي ضرورة وضع الحكومة الإثيوبية أمام مسؤولياتها بصورة واضحة ومباشرة، موضحاً أنه إذا كانت الأراضي الإثيوبية تُستخدم لتنفيذ هجمات ضد السودان دون علم السلطات، فإن على أديس أبابا اتخاذ إجراءات عملية لمنع ذلك، أما إذا كانت هناك جهات تتحرك داخل إثيوبيا وتستفيد من تسهيلات لوجستية، فإن المطلوب هو الكشف عنها ووقف نشاطها.
ويؤكد أن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة الحالية يتمثل في تحديد الجهة التي تقف خلف تلك العمليات وطبيعة علاقتها بإثيوبيا: هل هي مجموعات سودانية تستخدم الأراضي الإثيوبية؟ أم توجد تسهيلات لوجستية تقدم لها؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى تورط مباشر؟
وبحسب العركي، فإن الإجابة الموثقة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد طبيعة الرد السوداني ومستواه، وتمنح الخرطوم أساساً أقوى للتحرك أمام المؤسسات الإقليمية والدولية.
مواجهة محتملة
ولا يستبعد العركي أن تقود التطورات، حال استمرارها، إلى مواجهة مباشرة بين السودان وإثيوبيا، لكنه يؤكد أن ذلك الاحتمال ليس حتمياً، وأن مصلحة السودان لا تتمثل في فتح جبهة عسكرية جديدة في الشرق بينما يخوض حرباً داخلية ممتدة.
ويحذر من أن أي مواجهة سودانية ــ إثيوبية ستكون لها تداعيات وآثار سالبة على البلدين، ولن تتوقف نتائجها عند حدودهما، بل يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الاضطراب في منطقة القرن الأفريقي، وتفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية واسعة النطاق في منطقة تعاني أصلاً من أزمات أمنية وسياسية متشابكة.
ويشير إلى أن استمرار الهجمات المنطلقة من الأراضي الإثيوبية قد يدفع الخرطوم إلى إعادة النظر في قواعد تعاملها مع مصادر التهديد، لكنه يؤكد أن الهدف الأساسي ينبغي أن يظل فرض الردع ومنع استباحة الحدود والأجواء السودانية، وليس الانجرار إلى حرب جديدة.
ويختصر العركي الموقف بالقول إن السودان لا يريد مواجهة مع إثيوبيا، لكنه في الوقت نفسه لن يقبل بأن تتحول أراضيها إلى منصة لاستهدافه، مؤكداً أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو ردع محسوب، ودبلوماسية حازمة، وتوثيق دقيق للأدلة.
فالردع، بحسب العركي، ضرورة لحماية الأمن القومي والسيادة السودانية، بينما تظل الحرب المباشرة آخر الخيارات وأكثرها كلفة على السودان وإثيوبيا وعلى استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.






