تعهّد بتوفير “3,500” كشك مجهز لهن بولاية الخرطوم
“البرهان”..إسناد بائعات الأطعمة والشاي
توجيهات بتخفيف الرسوم ودعم الأنشطة.. وقف المضايقات
الوالي شدّد على الالتزام بالاشتراطات الصحية ..مطلوبات
الوزير يذرف الدموع..تأكيد دعم الشرائح الضعيفة
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تعهّد رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بتوفير “3,500” كشك لبائعات الشاي والأطعمة في مختلف محليات ولاية الخرطوم، لتكون أماكن عمل دائمة ومنظمة لهن، إلى جانب إلغاء الرسوم والجبايات التي تتحصّلها المحليات والوحدات الإدارية من العاملات في هذا القطاع، وأكد البرهان، خلال لقائه أمس، قطاعاً من بائعات الأطعمة والشاي بولاية الخرطوم، التزام الدولة بتنفيذ هذه الخطوة دعماً للشرائح الضعيفة والمنتجة، وتوفير بيئة عمل آمنة ولائقة تحفظ كرامة النساء العاملات وتساعدهن على كسب عيشهن بعيداً عن الملاحقات والمضايقات.
أهمية القرار
والواقع أن بائعات الأطعمة والشاي كن يواجهن ملاحقات من الأجهزة التابعة للمحليات، وصلت في بعض الحالات إلى مصادرة الأدوات أو إبعادهن من مواقع العمل، ليكون قرار توفير الأكشاك وإلغاء الجبايات، بمثابة انتقال من مجرّد الدعوة إلى وقف التضييق إلى تقديم معالجة عملية تبحث عن توفير مكان ثابت وآمن للعمل، ليكتسب القرار أهميته من هذه الزاوية، ويرى مراقبون أن توفير “3,500” مكان عمل دائم يطرح تصوراً مختلفاً للتعامل مع بائعات الأطعمة والشاي بدلاً من النظر إليهن باعتبارهن مشكلة تنظيمية، ليجري التعامل معهن باعتبارهن شريحة منتجة تحتاج إلى تنظيم ودعم وحماية.
أماكن عمل دائمة
وتحمل عبارة أماكن عمل دائمة دلالات ومعانٍ كبيرة، باعتبار أن الاستقرار المكاني يعني، من الناحية العملية، أن تعرف العاملة أين ستعمل غداً وبعد غد، وأن يكون لديها موقع لا تخشى فقدانه مع كل حملة تنظيمية أو تغيير في إجراءات المحلية، كما أن “الكشك” المجهز يمكن أن يوفر حماية من تقلبات الطقس، ويحسن ظروف تقديم الأطعمة والمشروبات، ويمنح النشاط قدراً من الشكل الحضاري والتنظيمي، بعيداً عن الصورة النمطية التي ظلت تلاحق عمل النساء في هذا القطاع، مع أمنيات تكتنف دواخل هؤلاء النسوة المنتجات بأن تنجح هذه الأكشاك المجهزة في وضع نهاية حقيقية للملاحقات التي تعرضت لها النساء والفتيات، وهي خطوة مرهونة بطبيعة التنفيذ، بأن تكون هذه الأكشاك مواقع حقيقية، موزعة بصورة عادلة، وقريبة من مناطق النشاط والحركة، وممنوحة لمستحقيها دون تعقيدات أو محسوبية، ليشكل المشروع تحولاً مهماً في حياة آلاف الأسر، فيما تكمن المخاوف في أن تتحول إجراءات الحصول على هذه الأكشاك إلى سلسلة جديدة من الشروط والتكاليف والتصاديق، مما يعني انتقال المشكلة من الشارع إلى مكاتب الإجراءات.
صفر جبايات
ولا يقل قرار إلغاء الرسوم والجبايات أهمية عن تخصيص الأكشاك، باعتبار أن الأنشطة الصغيرة التي تعتمد على دخل يومي محدود تكون الأكثر تأثراً بالرسوم المتعددة، خاصة عندما تتوزّع المطالبات المالية بين أكثر من جهة محلية أو إدارية، ولهذا فإن التزام البرهان بإنهاء الجبايات المفروضة على بائعات الشاي والأطعمة يمثل محاولة لحماية هامش ربحهن الضئيل، بحيث يذهب الجزء الأكبر من دخل اليوم إلى صاحبة العمل وأسرتها بدلاً من أن يتآكل بين الرسوم المختلفة، وهنا تبرز أهمية أن تكون القرارات مصحوبة بآليات رقابة واضحة، لأن إلغاء الجباية على الورق لا يعني بالضرورة اختفاء كل المطالبات المالية على الأرض، ما لم يتم تحديد الجهات المخولة بالمتابعة والمساءلة بصورة دقيقة.
مظهر حضاري
ويرتبط مشروع الأكشاك أيضاً بمحاولة تحسين المظهر الحضاري للعاصمة في مرحلة تسعى فيها الخرطوم إلى استعادة عافيتها بعد الحرب، غير أن البعد الحضاري، في هذه الحالة، لا ينبغي أن يقتصر على شكل “الكشك” أو موقعه، بل يجب أن يبدأ من احترام الإنسان الذي يعمل داخله، فالعاصمة الحديثة ليست المدينة التي تخفي الفقراء والعاملين في المهن البسيطة بعيداً عن شوارعها، وإنما المدينة التي توفر لهم بيئة عمل منظمة وآمنة وتحفظ كرامتهم وتسمح لهم بالمشاركة في اقتصادها، وبهذا المعنى، فإن تنظيم عمل بائعات الشاي لا ينبغي أن يكون مرادفاً لإبعادهن، بل وسيلة لإدماجهن بصورة أفضل في الحياة الاقتصادية للمدينة، وهو ما أكد عليه والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة بأن تنظيم عمل بائعات الأطعمة والمشروبات يهدف إلى توفير بيئة عمل آمنة ومنظمة، وليس حرمانهن من مصادر دخلهن أو قطع أرزاقهن، وشدد الوالي على أهمية الالتزام بالاشتراطات الصحية واستخراج الرخصة الصحية لممارسة النشاط بصورة تحفظ سلامة المواطنين، وهو طرح يعكس الحاجة إلى تحقيق توازن بين دعم العاملات والمحافظة على المعايير الصحية.
“دموع فريني”
ولعل من أكثر لحظات اللقاء تعبيراً عن البعد الإنساني، تأثر وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني، إلى حد اغروراق عينيه بالدموع خلال البرنامج، وتكتسب هذه الدموع دلالة خاصة لأنها جاءت في لحظة يتحدث فيها المسؤولون عن التمكين والكرامة والحماية، حيث إن خلف كل امرأة تكمن قصة إنسانية باعتبار أن كل بائعة شاي تترقبها أسرة وتنتظر حصيلة يوم كامل من العمل، ليكون مشهد الوزير أكثر من مجرد لحظة عاطفية،إذ حمل في طياته صورة عن حجم المعاناة التي تحملتها كثير من النساء خلال سنوات الحرب والظروف الاقتصادية القاسية، وهن يخرجن يومياً للبحث عن رزق أسرهن من خلال أعمال بسيطة لا تحتمل مزيداً من الرسوم أو الملاحقات، وأكد فريني أن وزارته تعمل على دعم الشرائح المنتجة وتعزيز برامج الحماية والتمكين الاقتصادي للنساء العاملات في بيع الشاي والأطعمة، ودمجهن ضمن مشاريع الأسر المنتجة، إلى جانب تحسين بيئة العمل والاستماع المستمر إلى مطالبهن ومعالجة مشاكلهن بالتنسيق مع المحليات والجهات المختصة.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. فإن تعهد رئيس مجلس السيادة بتوفير 3,500 “كشك” وإلغاء الرسوم والجبايات خطوة لافتة في التعامل مع بائعات الشاي والأطعمة، خصوصاً أنه يأتي في وقت تحتاج فيه الخرطوم إلى كل جهد صغير يعيد إليها الحركة والحياة والنشاط الاقتصادي، وإذا نجحت حكومة ولاية الخرطوم في تنفيذ هذا المشروع بما خطط له فقد يتحول القرار إلى نموذج حقيقي لتمكين الشرائح الضعيفة وتنظيم الاقتصاد الشعبي، وتتحول بائعات الأطعمة والشاي من شريحة ظلت تبحث عن مساحة آمنة لكسب قوتها، إلى شريك معترف به في إعادة الحياة إلى الخرطوم.






