د.عبد اللطيف البوني يكتب: من داخل القاهرة (6)

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

من داخل القاهرة (6)

*من الكلمات المتداولة بمعدلات عالية في القاهرة كلمة (لوكيشن) Location وهي تعني الموقع في خارطة المدينة حسب (قوقل ماب) وقد تبناها السودانيون بسرعة… الواحد قبلما تكمل سلامك عليه يقول ليك أديني اللوكيشن بتاعك .. فالناس هنا تجاوزت حكاية.. وانت في الشارع الرئيسي تلقى دكان قدامه شوالات فحم.. تخليه على يمينك.. تدخل أول زقاق يلاقيك… تعاين قدامك بتشوف ليك مزيرة فيها ثلاثة أزيار الفي نص مكسور ……ومافيها (كوز) مربوط… بس أقيف جنب المزيرة دي واسأل من البيت… في زول مدروش كده دارع ليه مخلاية في كتفه بتحاوم بي هناك… دا ما تسأله لأنه بتوّهك.. وهكذا.. ففي القاهرة أول حاجة تعملها تنزل التطبيق بتاع الخارطة دي ولو كنت زيي قادي تقانة استعن بمن هو أصغر منك سناً لانه أكثر منك علماً .. وبهذا تطلب سيارة الأجرة (عندنا ترحال) وبه تعرف أي مكان توده حتى ولو كنت راجلاً…قمة الرفاهية في التنقل داخل المدينة تتم عبر هذا التطبيق…. فأنت تطلب عبره سيارة الأجرة… وتحدد عبره المكان الذي تريد… فتأتيك السيارة في مكانك..و تاتيك أجرة المشوار ونمرة السيارة القادمة إليك ولونها..
*الضرب الثاني من المواصلات العامة الباصات الكبيرة سعة الأربعين راكب وما فوق… وهي تغطّي كل المدينة وبشكل مستمر فليس هناك آخر محطة وستات شاي والذي منه… الضرب الثالث هو المايكروبصات أي ما نسميه نحن الهايسات أو الشرائح… هذه لها مواقف رئيسة وتعمل في الطرق الفرعية وداخل الأحياء َهنا يمكن أن تضيف إليها التكتك أي الركشة… وهذه الهايسات تتيح للراكب ان يركب أكثر من مرة ليصل مبتغاه خاصة إذا كانت وجهته بعيدة.. أما ملك المواصلات فهو السيد المترو.. حيث السرعة وروعة التنظيم والنظافة والأمان وقلة الثمن…
اما الأسعار فهي متفاوتة جداً فالأعلى هو الضرب الأول أي الطلب والأدنى هو هذا الأخير أي المترو… هل تصدق لو قلت لك مكانا واحداً اتردد عليه أدفع “١٧٠” جنيهاً في حالة الطلب و”٤٠” جنيهاً اذا ركبت المايكروبصات زائداً تكتك… و”١٥” جنيها في حالة الباصات الكبيرة وثمانية جنيهات في حالة المترو ومرات أربعة جنيهات لان عمري فوق الستين ومعي بطاقة تثبت ذلك… فأنت تختار على حسب وضعك المالي وقدرتك على التنقل ووقتك….
*قصدت من كل ذلك السرد الطويل المسيخ القول إن التنقل داخل القاهرة فيه خيارات متعددة (من ١٦٠ إلى أربعة جنيهات)… وهذا لايقتصر على المواصلات بل الخبز كذلك فمصر أكبر مستورد للقمح في العالم ولكن لن تجد فيها أزمة خبز بل هناك وفرة وذلك لتعدّد الخيارات.. فالنوع الفاخر قطعة الخبز فيه بجنيهين والخبز المدعوم الرغيفة بنصف جنيه… وبينهما أبو جنيه نص ثم أبو جنيه… بالمناسبة السودانيون يتعاطون هذا الخبز المدعوم بكل يسر… لذلك فهو في متناول الجميع وعلى ذلك قس.. كل المأكولات والمشروبات متفاوتة الأسعار.. وقد طبقت ذلك على كباية الليمون بالنعناع وهي مشروب شعبي منتشر… فتعرّفت على سعرها في الفنادق الفخمة ثم في المقاهي الراقية .. ثم المقاهي الشعبية.. ثم الباعة المتجولين… وأخيراً في المنزل.. فوجدت أن لها عشرة أسعار تبدأ بمائة وعشرين جنيهاً إلى أن تصل تكلفتها في المنزل جنيه واحد…
مصر أصبحت المنتج الأول للتمور في العالم… وقد أحصيت منها أكثر من عشرة أنواع… تتفرّج بس على جمالها… وفي المانجو أصبحت الدولة رغم ثلاثة… وقد أحصيت خمسة انواع منها يترواح السعر من “١٥٠” جنيه للكيلو إلى “٣٠” جنيه للكيلو يعني سعر كيلو واحد من صنف يمكن تشتري به خمسة كيلو من صنف آخر وكله منقة تغني عليها البلابل (لون المنقة يا الشايل المنقة) أو النعام آدم (منقة كسلا حلو وصافي لونا تومتي بريدا وغرب القاش سكونا)وهكذا الأمر في بقية الفواكة من عنب وكمثرى وتفاح وموز و… و… وكذا الحال في الخضروات من طماطم وخيار و… و…
*السكن أو المساكن ليست بعيدة عن تلك التعددية ففي بعض المناطق يصل الإيجار إلى أرقام فلكية وفي بعضها تجد الإيجار الشهري ثلاثة الف جنيه وفي رواية هناك أقل قبل انكسار السودانيون على مصر…
أما إذا ذهبت إلى الملابس والأحذية والذي منه فأدي ربك العجب ففي العتبة وهي أكبر تجمع تسويقي في القاهرة وبالتالي في مصر فتجد قطعة الملابس بما يقارب نصف ثمنها في الأماكن الأخرى لأن الباعة المنتشرون هنا تحت الشمس يعملون بقاعدة بكثرة المباع وقلة الأرباح.. أما إذا كنت من هواة اغتناء الكتب فاذهب الي سرق الازبكية حيث (سوق مفروش) وهنا تجد كل ما يخطر على بالك من الكتب وما لايخطر وبرماد القروش..
وأحسن تلخيص لكل ما ذهبنا اليه أعلاه هو في القاهرة يمكنك أن تعيش بمائة الف جنيه وبعشرة الف جنية وبألف جنية وبمائة جنيه .
إذن يا جماعة الخير هذا التنوع الذي يعطي الخيارات المتعددة للمستهلك حقيقة من حقائق الوجود في القاهرة… قد جعل العيشة فيها سهلة ومتيسّرة لكل الطبقات… فالقاهرة مدينة طبقية دون شك فعلى حسب علمي و مشاهداتي للإعلام خاصة الدراما المصرية هناك طبقات تعيش وكانها في أغنى وأغلى وأرقى مدن العالم… بالتأكيد هناك طبقات يسحقها الفقر سحقاً .. ولكن نحن هنا نتكلم عن الطبقة الوسطى العريضة والتي تشمل اكثرية المصريين وهي طبقة مرنة يمكن الصعود منها إلى الأقلية الفوق… أو النزول منها إلى الأقلية التحت فالمنافسة حادة جداً في مصر وأظن من هنا أتى التجويد والإتقان والحذر… فأقل دقسة سوف تجد نفسك خارج الشبكة مهما كانت مهنتك أو صنعتك… حتى ولو كنت بائع عنكوليب … هذه الطبقة الوسطى هي التي ترسم الحياة والمستقبل في مصر لما لها من حيوية..
وهذه الخيارات لايمكن أن تأتي بالصدفة فلاشك أن وراءها عقلية فكرت وخططت ونفذت ثم تابعت..ليت الذين يتكلمون الآن عن إعادة الروح للخرطوم استعانوا بالتجربة المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top