اليوم العالمي للمفقودين يفتح أكثر الملفات إيلاماً
الاختفاء القسري…جرح مفتوح
92,837 مفقوداً منذ اندلاع الحرب.. حزن وسط آلاف الأسر
“23”ألف محتجز و”107″ صحفيين.. اتساع المأساة
“11,201” شخصاً فُقدوا في الصحراء والبحر.. مصائر مجهولة
المليشيا قامت بالاختطاف والاحتجاز.. العقاب والمساءلة
تقرير –رحمة عبدالمنعم
خلف أرقام المفقودين والمختفين في السودان حكايات لا تنتهي عند حدود الإحصاءات؛ أمهات ينتظرن عودة أبنائهن، وأطفال يسألون عن آباء غابوا دون وداع،وأسر ظلت منذ اندلاع الحرب معلقة بين الأمل والخوف، تبحث عن معلومة واحدة تؤكد أن أحباءها ما زالوا على قيد الحياة،ومع استمرار الحرب، يتسع ملف المفقودين والمختفين ليصبح واحداً من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً وتعقيداً، وسط عمليات اختطاف واحتجاز وإخفاء طالت آلاف المدنيين، قامت بها مليشيا الدعم السريع، في وقت لا تزال فيه أسر كثيرة عاجزة عن معرفة أماكن ذويها أو مصيرهم.
مرصد مشاد
وأعلن مرصد «مشاد» الحقوقي تسجيل 92,837 حالة اختفاء لمدنيين وفق البلاغات الموثقة لديه، وهي حصيلة تكشف، بحسب المرصد، حجم المأساة التي تعيشها آلاف الأسر السودانية منذ اندلاع الحرب،ولا تقف خطورة الأرقام عند العدد الإجمالي للمفقودين، إذ أشار المرصد إلى وجود نحو 23 ألف شخص داخل السجون أو مراكز احتجاز مختلفة على خلفيات مرتبطة بمواقف أو اتهامات سياسية.
وشملت قوائم المختفين، وفقاً للبيانات المعلنة، 107 صحفيين وإعلاميين و79 طبيباً وكادراً صحياً، بينما تشير المعطيات إلى فقدان أكثر من 11,201 شخص في مناطق صحراوية أو في البحر، ولا تزال المعلومات بشأن مصيرهم غائبة،وهذه الأرقام، بما تحمله من تفاصيل وفئات مختلفة، تعني أن آلاف المنازل السودانية تعيش يومياً تحت ضغط السؤال ذاته: أين ذهبوا؟
أسر معلقة
وبالنسبة لأسر المفقودين، لا يعني الاختفاء مجرد غياب شخص عن منزله؛ بل بداية رحلة طويلة من البحث والانتظار وعدم اليقين،غياب المعلومات حول أماكن الاحتجاز، وعدم معرفة ما إذا كان المختفي حياً أو مصاباً أو محتجزاً، يجعل الأسرة تعيش حالة مستمرة من القلق.
وبينما تمر الأيام والشهور، يتحول البحث عن المفقود إلى جزء من الحياة اليومية لأسر لم تحصل حتى الآن على إجابة حاسمة بشأن مصير أبنائها.
وتشهد منصات التواصل الاجتماعي نشاطاً واسعاً لناشطين وحقوقيين وأعضاء في غرف الطوارئ، ينشرون صور المفقودين وبياناتهم ومقاطع مصورة، على أمل أن يتعرف عليهم شخص أو تظهر معلومة تقود إلى مكانهم…
وأصبحت منصات التواصل الإجتماعي بالنسبة إلى كثير من الأسر، نافذة أساسية للبحث، في ظل نقص المعلومات حول أماكن الاحتجاز والمفقودين.
انتهاكات واسعة
وتثير أرقام الاختفاء والاحتجاز تساؤلات قانونية وإنسانية كبيرة بشأن الانتهاكات التي قامت بها مليشيا الدعم السريع في الحرب، فيما تتصاعد مطالب بالكشف عن أماكن المحتجزين والمختفين وإجراء تحقيقات مستقلة في الحالات الموثقة…
وبحسب المعلومات التي نشرتها منظمات حقوقية فإن مليشيا الدعم السريع قامت بتنفيذ عمليات اختطاف واحتجاز وإخفاء بحق مدنيين خلال الحرب، الأمر الذي يضع ملف المفقودين في صدارة القضايا التي تحتاج إلى تحقيق وتوثيق ومساءلة قانونية لتحديد المسؤوليات عن كل حالة،فالاختفاء لا ينتهي عند فقدان الضحية، وإنما يمتد أثره إلى أسر كاملة تحرم من أبسط حقوقها: معرفة ما حدث لذويها.
مصير المفقودين
وفي المقابل، أعلن وزير الداخلية ورئيس الآلية الوطنية لحماية المدنيين، الفريق بابكر سمرة، التزام الدولة بحماية حق الأسر في معرفة مصير ذويها، وتعزيز الجهود الوطنية لحصر وتوثيق حالات المفقودين والمختفين والكشف عن مصيرهم في إطار الخطة الوطنية لحماية المدنيين.
وقال سمرة، في رسالة بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري الذي يصادف الثلاثين من أغسطس، إن الدولة تولي اهتماماً بحماية الأسر المتضررة وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ والمتابعة، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات الوطنية والإنسانية المختصة،
وأكد أن معرفة مصير المفقودين «حق إنساني أصيل»، وأن معالجة الملف تمثل جزءاً أساسياً من حماية المدنيين وتعزيز التماسك والسلام المجتمعي،وجدد حرص وزارة الداخلية على تلقي بلاغات المفقودين عبر منصة البلاغ الإلكتروني للشرطة السودانية.
كارثة إنسانية
وترى الكاتبة الصحفية ورئيس تحرير صحيفة «أخبار السودان» سمية سيد أن الحديث عن أكثر من 92 ألف مفقود منذ اندلاع الحرب لا يمكن اختزاله في رقم إحصائي، وإنما يمثل كارثة إنسانية تقف خلفها آلاف القصص والأسر التي لا تعرف مصير أبنائها.
وقالت سيد في حديثها لـ«الكرامة» إن الأرقام المعلنة بشأن المفقودين، إلى جانب وجود نحو 23 ألف شخص في السجون ومراكز الاحتجاز، واختفاء صحفيين وأطباء وكوادر صحية، تكشف اتساع نطاق الانتهاكات التي صاحبت الحرب.
واعتبرت أن عمليات الاختطاف والاحتجاز وإخفاء المدنيبن التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع تمثل انتهاكاً بالغ الخطورة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مشددة على ضرورة التعامل مع كل حالة باعتبارها قضية إنسانية وقانونية تستوجب الكشف والتحقيق.
وأضافت أن مأساة الاختفاء القسري لا تقتصر على الشخص المفقود وحده، بل تمتد إلى أسرته التي تعيش انتظاراً مفتوحاً، أحياناً دون خبر أو أثر أو معلومة يمكن البناء عليها،وأكدت أن حق الأسر في معرفة أماكن أبنائها ومصير المفقودين والمحتجزين لا ينبغي أن يخضع لأي حسابات سياسية أو عسكرية.
التحقيق والمساءلة
ومع اتساع حجم الملف، تتزايد الأصوات المطالبة بفتح تحقيقات مستقلة وجادة في حالات الاختفاء والاحتجاز، والكشف عن أماكن جميع المحتجزين، وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبة كل من يثبت تورطه فيها.
وشددت سمية سيد على أن أي مسار للسلام والعدالة في السودان سيظل منقوصاً ما لم يتضمن إنصاف الضحايا وكشف مصير المختفين وعدم إفلات المسؤولين عن الانتهاكات من المحاسبة.
ويحمل ملف المفقودين، إلى جانب أبعاده القانونية، وجهاً إنسانياً شديد القسوة؛ فكل رقم في قوائم الاختفاء يمثل إنساناً له اسم وبيت وأسرة تنتظره.
وبين صور معلقة على صفحات التواصل الاجتماعي، ونداءات تتجدد كل يوم، وأمهات يتمسكن بأمل العودة، يبقى آلاف السودانيين في دائرة المصير المجهول،ومع استمرار الحرب، يظل السؤال مفتوحاً أمام الجميع: أين المفقودون؟..وهو سؤال لن تفقد الأسر حقها في طرحه، ولن تُغلق صفحة هذه الحرب إنسانياً وعدلياً قبل أن تحصل على الإجابة.






