حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“اللجنة …بين المرحّبين والمكجّنين”
(1)
اللجنة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس هذه الايام …والتي وصفت نفسها بأنها تهيئية أو تسهيلية ،وليست تحضيرية للحوار السوداني /السوداني الشامل …بعد إعلانها عن نفسها ينتظر الناس خطوتها التالية …فالأمر المؤكد أن تلك الخطوة مهما كانت فلن تغيّر من نظرة الناس لها..فالذين رحّبوا بتلك اللجنة …واعتبروها خطوة في الاتجاه الصحيح. سوف يرحّبون بتلك الخطوة أما الشائنين وإن شئت قل المكجنين لها …وإذا أردت أن تريح نفسك قل الرافضين لتلك اللجنة …فسوف يرفضون خطوتها المرتقبة مهما كان شكلها …للأسف الشديد فإن حالة الاستقطاب التى يشهدها مسرح السياسة السودانية ..لم تترك فرصة لأي إعمال للعقل …فأما مع أو ضد ..قلّما تجد أحد يقول (النشوف آخرتا) أي دعونا ننتظر ما ستفعله هذه اللجنة.. ثم بعد ذلك نحكم عليها من أعمالها …وهذا الداء قديم في السياسة السودانية منذ بواكير الحركة الوطنية ويستدل الناس بمقولة الزعيم إسماعيل الأزهري عن الجمعية التشريعية لعام ١٩٤٨ (سنرفضها ولو جاءت مبرأة من عيب) ،ولعل المفارقة هنا أن القطب الاتحادي الكبير الدكتور مبارك مامون سنادة أستاذ القانون الدستوري والذي تظاهر وهو شاب ضد الجمعية التشريعية في دراسته الأكاديمية عن التطورات الدستورية في السودان قال إن رفضهم لها كاتحاديين كان خطأ كبيراً…نفس الشيء فعله الحزب الشيوعي السوداني في رفضه لاتفاقية ١٩٥٣م…
(2)
دعونا نحاول تفكيك الخطاب الرافض لتلك اللجنة ثم المؤيد لها ..فالذين رفضوا فكرة اللجنة حجتهم أنها صنيعة للنظام القائم لكي يشرعن وضع سياسي يسيطر عليه فيما بعد … بمعنى أن نهايتها ستكون شكلاً دستورياً يمكّن البرهان من أن يكون حاكماً للفترة القادمة… سمها انتقالية أو تمهيدية ….وأنهم يرفضون ذلك لأنه يعني انقسام البلاد… فحملة السلاح المضادين للقوات المسلحة (ناس تأسيس). . سوف يعلنون عن دولتهم لأنهم لن يكونوا جزءًا من الحوار… الذي تنظمه لجنة التهيئة الحالية …لذلك ينبغي أن تتوقف الحرب بهدنة ثم يبدأ الحوار ..أي لا حوار تحت زخزخة الرصاص …هنالك معارضون آخرون للجنة يتفقون مع عدم جدوى الحوار تحت قعقعة السيوف… ولكنهم لا يدعون لهدنة إنما يدعون لمواصلة الحرب حتى القضاء على كل قوة الدعم السريع ومن ساندها …بهذا يكون قد التقى نقيضان في موقفهم من اللجنة.
(3)
بالطبع لا يوجد مؤيدين للجنة التهيئة أو اللجنة التسهيلية لأنها ببساطة لم تتقدّم الصفوف لعمل ما …إنما هناك مرحّبين باللجنة فالذين رحّبوا باللجنة يرون أنها ستقوم بسودنة عمل ظل يطلع به الخارج… وهو إنهاء المشكل السوداني القائم والذي وصل مرحلة الاقتتال الشرس ..فكل الوساطات السابقة والتي فشلت جميعها …ظلت تقوم بها جهات غير سودانية دولاً كانت أم منظمات إقليمية ودولية.. .فلماذا لا نجرّب الجودية أو التسهيلواتية السوداناوية ؟… عسى ولعل أن ينجح باعتبار ان السودان سيد وجعة وواطي للجمرة وبالتالي يلم أهله بكل جزيئات المشكل السوداني ..ثم ثانياً والأهم أن الخارج الذي تدخل من قبل أو سوف يتدخل لاحقاً…له أجندته في السودان النابعة من مصالحه …وهذا الخارج مصالحه متعارضة في السودان إقليمياً ودولياً..وهذا سوف يلقي حمولة ثقيلة على الحوار السوداني وسوف يكبّله ويمنعه من الانطلاق ..لذلك جاء الترحيب بهذه اللجنة المسهلاتية ..أما قدرتها على وقف الحرب أو تكييفها لنظام حكم معيّن فهو سابق لأونه فالمهم أن تكون لنا خارطة حل سودانية (تهوى عاشق ود بلد) نحاصر بها الحرب حتى وإن لم نوقفها نهائياً…
(4)
لكل الذي تقدّم على اللجنة أن تمضي في مهامها… ولا تلوي على شيء وتعلن عن خطوتها التالية والتي تلي التالية ..وهكذا إلى أن تكتمل عملية التهيئة أو التسهيل … فمن عارضها سيظل معارضاً لها ومن رحّب بها سيظل مرحّبا بها …كل هذا على مستوى النخب السياسية المستقطبة مسبقا …أما عامة الشعب فهو الذي ينظر ..وهو الذي سيحكم لها أو عليها من أعمالها ..وللرأي العام سطوته وله آلياته والأهم له مكره الذي يفرض به وجوده .. …فارموا بصركم على الرأي العام ..فالأمة لا تجتمع على ضلالة ..






