ودعته جموع بالدموع في القاهرة
رحيل عمر النمير.. وتبقى المآثر
ما بين الأعمال والرياضة والعمل الإنساني..مسيرة حافلة
المريخ يعلن الحداد.. وزير الرياضة ينعاه ووالي الخرطوم يعدّد مآثره
من أم درمان لكل السودان..حضور كبير لإبن الأسرة الكوارتية
الحرب تبرز الدور الإنساني للراحل ..دعم التكايا المحتاجين
تقرير :رحمة عبدالمنعم
غيّب الموت في القاهرة رجل الأعمال ورئيس نادي المريخ السابق المهندس عمر النمير، بعد معاناة شديدة مع المرض، في رحيل أثار موجة واسعة من الحزن داخل الوسط الرياضي والمجتمعي السوداني، وفتح أبواب الذكريات حول مسيرة رجل جمع بين العمل والاستثمار والرياضة، وترك خلال سنوات الحرب حضوراً بارزاً في ساحات العمل الإنساني والخيري.
رحيل فاجع
وجاء رحيل رجل الاعمال عمر النمير مساء اول أمس الجمعة، بينما كانت الآمال لا تزال معلقة على عودته من رحلة العلاج، وظلت الدعوات تحيط به من السودان وخارجه، قبل أن يصل خبر وفاته إلى أسرته ومحبيه وجماهير المريخ، حاملاً معه نهاية مؤلمة لمسيرة امتدت بين أم درمان ودبي والقاهرة، وبين عالم الأعمال ونادي المريخ ومبادرات دعم المحتاجين.
وشُيّع جثمان الراحل من مسجد مصطفى محمود بالقاهرة ظهر السبت، في مشهد جمع عدداً كبيراً من السودانيين المقيمين في العاصمة المصرية، يتقدمهم رئيس نادي المريخ مجاهد سهل وأعضاء مجلس إدارة النادي، ورئيس الاتحاد السوداني لكرة القدم الدكتور معتصم جعفر، إلى جانب عدد من الرياضيين والسياسيين ورموز المجتمع ورجال الأعمال.
وكان الحزن حاضراً في كلمات المشيعين ووجوههم، فقد جاء رحيل النمير في وقت ظلت فيه الآمال معلقة على شفائه، قبل أن يكتب المرض الفصل الأخير من حياته.
ولد عمر النمير عام 1981 بمدينة أم درمان، ومنها بدأ مشواره قبل أن ينتقل إلى إمارة دبي ويوسع نشاطه في عالم الأعمال والاستثمار، حيث أسس عدداً من الشركات التي عملت في مجالات الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والحيواني واستصلاح الأراضي، من بينها شركة فيض النعم.
ولم يكن حضوره مقتصراً على النشاط الاقتصادي وحده، فقد حمله شغفه بالرياضة إلى نادي المريخ، ليتولى رئاسة النادي في مرحلة اتسمت بتحديات إدارية ورياضية كبيرة.
وتولى النمير رئاسة نادي المريخ بناءً على ترتيبات وقرارات داخل مجلس الإدارة بهدف تنظيم العمل الإداري، وظل في موقعه حتى تقدم باستقالته في يوليو 2025.
لكن استقالته لم تقطع صلته بالمريخ، وبقي اسمه حاضراً في ذاكرة جماهير النادي والوسط الرياضي، باعتباره واحداً من الذين قادوا النادي خلال مرحلة صعبة واستثنائية من تاريخ السودان.
الوجه الآخر
وبعيداً عن مجالس الإدارات وحسابات الشركات والاستثمارات، ظهر عمر النمير خلال سنوات الحرب في السودان في جانب آخر ربما كان الأقرب إلى قلوب كثيرين؛ جانب العمل الإنساني ومساندة المتضررين.
فقد ارتبط اسمه بعدد من المبادرات المجتمعية والخيرية التي استهدفت مساعدة الأسر المحتاجة والمتضررة، ودعم التكايا وتوفير الطعام، إلى جانب مبادرات لمساندة الطلاب والأسر في عدد من المناطق.
وبحسب بيان ولاية الخرطوم، كان الراحل من أبرز الداعمين للمواطنين خلال فترة الحرب، إذ ساهم في إنشاء ودعم أكثر من 25 تكية موزعة على أنحاء الولاية، واستمر دعمه لها لأكثر من عامين دون انقطاع.
كما شملت مساهماته دعم الوجبة المدرسية في عدد من المدارس بالتنسيق مع الجهات المختصة، ومساعدة الطلاب والطالبات من الأسر الفقيرة في توفير الزي المدرسي، فضلاً عن تقديم سلال رمضان وخراف الأضاحي لفئات مختلفة من المجتمع.
وامتدت مساهماته إلى تأهيل المساجد والخلاوي، ودعم مشروعات السقيا للمستشفيات، إلى جانب استعداده المستمر للمساهمة في المبادرات والأعمال العامة.
وتلك التفاصيل أعادت، عقب رحيله، رسم صورة الرجل خارج حدود الرياضة والأعمال، وأظهرت جانباً إنسانياً ظل حاضراً خلال واحدة من أقسى الفترات التي عاشها السودانيون.
حداد المريخ
ورحيل النمير فتح أبواب الحزن داخل الوسط الرياضي، وكان نادي المريخ في مقدمة الجهات التي نعته، حيث أعلن مجلس إدارته الحداد الرسمي وإغلاق النادي لمدة ثلاثة أيام، تعبيراً عن حزنه على رحيل رئيسه السابق.
وتوالت بيانات النعي من مجلس إدارة نادي الهلال والاتحاد السوداني لكرة القدم، إلى جانب عدد من الرياضيين والسياسيين ورجال الأعمال والشخصيات العامة.
وكتب رئيس نادي الهلال هشام السوباط كلمات مؤثرة في رثاء النمير، عبر فيها عن حزنه لرحيل رجل الأعمال الشاب، مقدّماً التعازي لأسرته وأهله ومعارفه وأصدقائه وللوسط الرياضي ومكونات نادي المريخ.
وكان في ذلك النعي ما يعكس حجم الحزن الذي تجاوز حدود التنافس الرياضي التقليدي بين الهلال والمريخ، ليتحول رحيل النمير إلى مناسبة اجتمع فيها الوسط الرياضي على الحزن والدعاء.
نعي رسمي
ونعى البروفيسور أحمد آدم، وزير الشباب والرياضة، والعاملون بالوزارة، المهندس عمر النمير، مقدمين خالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرته ومجلس إدارة نادي المريخ وجماهيره وإلى الأسرة الرياضية السودانية عامة.
واستذكرت الوزارة مآثر الفقيد وما عُرف عنه من مبادرات وأعمال خير وحرص على خدمة المجتمع والوسط الرياضي، مؤكدة أن رحيله يمثل فقداً مؤلماً للأسرة الرياضية والمريخية.
ونعى والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة وأعضاء حكومة الولاية النمير، واصفين إياه برجل البر والإحسان، ومعددين إسهاماته الواسعة في مساندة مواطني الخرطوم خلال فترة الحرب.
وقدمت الولاية في بيانها صورة لرجل ظل قريباً من احتياجات الناس، خاصة في الفترات التي كانت فيها التكايا ومبادرات التكافل المجتمعي تمثل شريان حياة لآلاف الأسر التي أنهكتها الحرب.
ولذلك لم يكن نعيه، بالنسبة لكثيرين، مجرد وداع لرئيس سابق لنادٍ كبير أو لرجل أعمال معروف، بل كان وداعاً لرجل ارتبط اسمه عند فئات من المواطنين بلقمة الطعام وكسوة طالب ومساعدة أسرة ودعم مسجد أو مستشفى.
المحطة الأخيرة
وفي القاهرة أمضى عمر النمير أيامه الأخيرة وهو يخوض معركته مع المرض، بينما كان أصدقاؤه وأحباؤه وجمهور المريخ يتابعون حالته بالدعاء والرجاء.
وكانت أمنية كثيرين أن تنتهي رحلة العلاج بعودته إلى الأهل والأصدقاء، لكن المرض كتب نهاية أخرى، وجاء خبر الرحيل ثقيلاً على الذين عرفوه عن قرب، وعلى الذين عرفوه من خلال نشاطه الرياضي أو الاقتصادي أو مبادراته الإنسانية.
رحل عمر النمير شاباً، فيما بقيت خلفه سيرة موزعة بين أم درمان ودبي والقاهرة، وبين الاستثمار والمريخ والعمل الخيري.
وقد يختلف الناس في تقييم تجربة أي مسؤول أو رجل أعمال، لكن لحظة الرحيل تعيد إلى الواجهة تلك المواقف التي لا تقاس بالمناصب ولا بالأرقام؛ مواقف مساندة الناس في أوقات الشدة، ومد اليد للمحتاجين حين ضاقت بهم الحرب وسبل الحياة.
وهكذا انتهت رحلة عمر النمير، لكن اسمه سيبقى حاضراً في ذاكرة المريخيين، وفي ذاكرة من عرفوه في عالم الأعمال، وفي دعوات أسر وجدت في مبادراته سنداً خلال أيام عصيبة.
رحل عمر النمير، وبقي الأثر.. وبقيت خلفه سيرة رجل جمع بين الأعمال والرياضة والعمل الإنساني، وترك في ذاكرة كثيرين ما هو أبقى من المناصب -أثر الخير- .






