د.عبد اللطيف البوني يكتب: في رحيل مربي عظيم

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

في رحيل مربي عظيم

(1)
في النصف الأول من ستينات القرن الماضي ونحن تلاميذ في السنة الرابعة الأولية.. جاء إلى مدرستنا عدد من المدرسين الجدد …لأنها تحولت من مدرسة مجلسية إلى مدرسة أولية ….الناظر الأستاذ أحمد أبو القاسم من أهالي السقاي عرفنا بهم في الطابور الصباحي …الأستاذ عبد الرؤوف عبد الرحمن من النوبة.. والأستاذ الأمين الصديق من العيلفون.. والأستاذ شيخ إدريس من مروى… بقية الأساتذة كانوا من القرية ..كلهم كانوا في غاية الانضباط في لبسهم.. أقمصة بأكمام طويلة.. مشكوكة داخل البناطلين ..منضبطين في مشيتهم وفي طريقة كلامهم ..تبدو على وجوههم الصرامة وتم إبلاغنا بأن مدرستنا سوف تنافس على الدخول في المرحلة الوسطى مباشرة… بمعنى لن نذهب للامتحان في المسيد حيث المدرسة الأولية ذات الراسين .. بل إلى كاب الجداد مباشرة حيث المدرسة الوسطى ..المهم القى في روعنا أننا مُقدمين على مرحلة جديدة…وعلينا أن نرتقي إلى مستواها …بالانضباط والجدية والاجتهاد .. فايقنا إن الصرامة في التعامل سوف تزداد ..فارتفعت وتيرة الخوف عندنا…
(2)
ايام قليلة مضت بنا في العهد الجديد… فأكتشفنا أن هناك استاذ مختلف في هذه الكوكبة الجديدة من المعلمين المحترمين…. وهو الأستاذ عبد الرؤوف ،الاختلاف ليس في الأداء الأكاديمي فكلهم كانوا مجيدون فيه ..إنما الاختلاف كان في التعامل معنا كتلاميذ ..فكل الأساتذة والذين كانوا من قبلهم كانوا صارمين داخل الفصول… وكانوا يتعاملون مع التلاميذ تعامل أبوي جاد.. ليس أي قدر من المرونة وفي ظني أن هذا منهج بخت الرضا في التربية ….بدليل إننا اكتشفنا فيما بعد أن معظم إن لم نقل كل الذين درسونا كانوا أناس عاديين في تعاملهم مع الآخرين يمزحون ويضحكون ولكن الواحد منهم داخل المدرسة وأمام التلاميذ (يركّب وجهاً آخر)… ولعل في هذا الأسلوب التربوي فوائد مباشرة أو غير مباشرة نحن لم ندركها يومها أو ربما حتى الآن ….
لكن الأستاذ عبد الرؤوف كان يدخل علينا وهو طلق المحيا… منطرح الوجه.. يستخدم كلمة يا ابني بدل ياولد ..لا يخفي الضحكة إذا جاءته خاصة عندما يحكى لنا القصص المقررة ..لقد أحببناه بطريقة جنونية كنا نتمنى الا تنتهي حصته ..إذا رأيناه في شارع من شوارع القرية ….كنا نهرع إليه بدل أن نترك له الطريق كما نفعل مع بقية الأساتذة المحترمين ….
(3)
لئن كانت العلاقة بيننا وبين أساتذتنا طابعها الاحترام ..لدرجة الرهبة فإنها مع أستاذ عبد الرؤوف كان طابعها الاحترام مع المحبة ..لدرجة إن بعضنا كان يتحدث معه بدون أي كلفة ..أذكر أنه ذات يوم قسم الفصل إلى مجموعات وأقام منافسة بينها …وعندما أعلن فوز مجموعة معينة هتف بقية الفصل (فيها خيانة ..فيها خيانة) …فألزم الفصل الهدوء بصعوبة وهو يتبسم ..فقال له أحد التلاميذ (يا فندي إنت بتاع ناسات) فضحك الأستاذ ضحكة مجلجلة.. ووضع يده على كتفه قائلاً له قلت كيف ؟..كلام الناس الكبار دا جبتو من وين ؟ أيوة أنا بتاع ناسات لكن ناسي إنتو كلكم ..
(4)
لعله من حسن حظ جيلنا والأجيال التي تلته أنه نعم بتلقي العلم والتربية من أستاذ عبد الرؤوف… إذ ظل ممسكاً بالطباشيرة منذ تخرجه من معهد التربية بالدلنج عام ١٩٦٠ إلى قبيل أيام معدودة من رحيله في يوم السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ المنصرم… .. قابلني الصديق الدكتور بدر الدين عبد الصادق والذي كانت آخر وظيفة له قبل المعاش مدير التعليم بولاية الجزيرة …وهو من تلاميذ الأستاذ عبد الرؤوف صدفة في الخرطوم يوم الأحد وبعد السلام مباشرة ….قال في خبر محزن امس انتقل إلى جوار ربه الأستاذ عبد الرؤوف… فوقع الخبر على كالصاعقة إذ كنت قد سألت عن قبل أقل من شهر …فقيل لي أنه مازال ممسكاً بالطباشيرة في مدرسة خاصة … ويغطي جميع المناسبات في القرية .. ويؤم الناس للصلاة من وقت لآخر ..لقد شعرت بفقد أستاذ عظيم مربي مختلف وصديق عزيز … أكاد أجزم بأنه أثّر في حياتي تأثيراً مباشراً …إذ أراد الله أن تكون حرفتي التدريس …وقد درست في جميع المراحل من الابتدائي الي ما فوق الجامعي في السعودية وفي السودان… وكان تعاملي مع تلاميذي وطلابي تابعاً لمدرسة الأستاذ عبد الرؤوف عبد الرحمن القريش ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ..فاللهم أرحمه وأغفر له واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعل البركة في ذريته …
(5)
بعد أن كتبت هذة المرثية أعلاه وقبل أن أدفع بها للنشر… انتقل الى رحمة مولاه بقريتنا أستاذ أجيال آخر …قريبنا وأستاذنا ومربينا وصديقنا الأستاذ عثمان أحمد عبد الله الفيل …وقد كان زميلاً وصديقاً لأستاذنا عبد الرؤوف… تخرج بعده من ذات معهد التربية بالدلنج وعملا سوياً في التدريس والإشراف..وهاهما يرحلان في نص اسبوع واحد ..أستاذنا عثمان هو الآخر من الذين أحدثوا طفرة في التعليم في القرية والمنطقة …أستاذ عثمان كان من مدرسة تربوية مختلفة إذ كانت مدرسته مدرسة الصرامة… أحدثكم عنها وعنه غداً ان شاء الله …نحمد الله كثيرا اننا نهلنا من علم وطريقة الأستاذين عبد الرؤوف عبد الرحمن وعثمان الفيل …
قال سنغور أنني كلما أسمع بأن شيخاً أفريقياً رحل أتأكد بأن هناك مكتبة قد احترقت ولو عايش سنغور هذين الاستاذين لأدرك أن هناك أمة كاملة قد رحلت ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top