سلطات الخرطوم تبذل جهوداً للمعالجة وأعفت رسوم المخابز
الخبز..أزمة مستفحلة
الوالي يضبط مسارات توزيع الدقيق.. رقابة ميدانية
اللجنة الاقتصادية تقترح إنشاء مخابز حكومية.. معالجات
«ثلاثة أرغفة بألف» والبدائل بتكلفة أعلى.. شكاوى المواطنين
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
دخلت أزمة الخبز في ولاية الخرطوم مرحلة جديدة بعد قرار إعفاء المخابز من كافة الرسوم المحلية حتى نهاية العام، بالتزامن مع تحركات لتوفير الدقيق بأسعار أقل وضبط توزيعه، في محاولة لاحتواء الزيادة التي رفعت سعر الرغيف إلى 500 جنيه، وجاء قرار الزيادة بعد قفزة سعر جوال الدقيق من 77 ألفاً إلى 108 آلاف جنيه، بزيادة تقارب 40 بالمئة، إلى جانب ارتفاع أسعار الزيت والخميرة وأجور العمال، يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه وزارة الصناعة والتجارة اتفاقاً مع شركات إنتاج الدقيق والمطاحن لتوفير جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً بسعر 87 ألف جنيه واصلاً إلى المخبز، دعماً لاستقرار أسعار الخبز.
امتصاص تكلفة الإنتاج
ويرى مراقبون أن قرار إعفاء المخابز من الرسوم المحلية، يمثل في جوهره، محاولةً لامتصاص جزء من الزيادة في تكلفة الإنتاج، بيد أن قيمة القرار الحقيقية ستظهر في مدى انعكاسه على السعر النهائي وتوفر الخبز ووزنه، فالمخبز الذي تتراجع أعباؤه المحلية يفترض أن تتراجع كلفة إنتاجه، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع انخفاض سعر الدقيق من 108 آلاف إلى السعر المتفق عليه حديثاً، وهنا تصبح المسؤولية مشتركة بين الحكومة والمطاحن والمخابز لضمان ألا تتوقف فائدة الإعفاء عند دفاتر المخابز، بل تصل إلى مائدة المواطن، وكانت حكومة الولاية قد أكدت أن هدف الإعفاء هو تخفيف تكلفة الإنتاج والمساعدة في توفير الخبز بأسعار مناسبة مع الحفاظ على الجودة والوزن واستمرارية الإنتاج.
المواطن أولاً
ولكن بعيداً عن لغة القرارات والأرقام، تبدو الأزمة أكثر قسوة عند باب المخبز، حيث يقول المواطن رمضان إدريس إنه ذهب في السابعة صباحاً لشراء الخبز، فوجد المواطنين ينتظرون بينما لم يكن الرغيف قد أصبح جاهزاً بعد، مشيراً إلى أنه اشترى ثلاثة أرغفة بألف جنيه، ويرى رمضان في إفادته للكرامة أن بعض المواطنين بدأوا يبحثون عن بدائل للخبز، لكن المفارقة أن البدائل نفسها أصبحت مكلفة، حتى الذرة، بينما لا يستطيع كثير من الأسر الاستغناء عن الخبز بسهولة، وتختصر شهادة المواطن رمضان إدريس جوهر الأزمة، فليس المطلوب فقط أن ينخفض سعر الرغيف، وإنما أن يكون متوفراً عندما يحتاجه المواطن، وبوزن معلوم وسعر عادل.
ضبط التوزيع
وفي موازاة معالجة التكلفة، وضع والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، ملف توزيع الدقيق تحت المجهر خلال وقوفه ميدانياً على عملية التوزيع، وشدد الوالي على أن حصة الولاية يجب أن تصل إلى المخابز مباشرة، رافضاً إنزال الدقيق في مواقع غير مخصصة للتوزيع، وقال بلهجة حاسمة: «العربية دي ما حتنزل في استاد الهلال نهائي»، وطالب حمزة الوكلاء بتقديم كشوفات بأسماء المخابز التي يتم توزيع الدقيق إليها، في خطوة تستهدف إحكام الرقابة على مسار الحصة ومنع تسربها أو تحويلها عن وجهتها، وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن خفض سعر الدقيق لن يكون كافياً إذا ظلت هناك اختناقات في التوزيع، فالمواطن يحتاج إلى دقيق يصل إلى المخبز قبل أن يصل إلى جيبه أثر أي دعم أو إعفاء.
سلعة استراتيجية
وكانت اللجنة الاقتصادية بولاية الخرطوم قد طرحت عدداً من المعالجات، أبرزها التعامل مع الدقيق باعتباره سلعة استراتيجية، وإنشاء مخابز حكومية في المحليات، وتفعيل الجمعيات التعاونية، ورفع قدرة شركة الخرطوم للأمن الغذائي على التدخل في السوق، كما دعت إلى كسر حلقات الوسطاء والمضاربين، وإلزام المخابز بإظهار السعر والوزن بوضوح، وتوفير مخزون استراتيجي من القمح والدقيق، مع تفعيل دور هيئة المواصفات والمقاييس، وتضع هذه المقترحات الأزمة في إطارها الصحيح، فالخبز لا تحكمه تكلفة الدقيق وحدها، وإنما سلسلة تبدأ بالقمح وتنتهي عند يد المواطن.
روشتة
ووفقاً لخبراء اقتصاديين فإن الحاجة تبدو ماسة إلى إجراءات موازية، في مقدمتها إنشاء غرفة عمليات يومية للخبز تراقب الكميات والأسعار والتوزيع، واعتماد قوائم دقيقة للمخابز وحصصها، ومتابعة التزامها بالسعر والوزن، كما يمكن تعزيز دور شركة الخرطوم للأمن الغذائي في التدخل عند حدوث نقص أو مضاربة، مع تكوين مخزون طوارئ من القمح والدقيق يحول دون عودة الأزمة مع كل اضطراب في الإمداد، ويقول الخبراء إن الأهم من ذلك كله أن تتم مراجعة تكلفة الخبز بعد قرار الإعفاء وانخفاض سعر الدقيق، حتى لا يتحول القرار إلى دعم غير مباشر للمخبز بينما يبقى المواطن يدفع السعر نفسه.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. يبقى قرار إعفاء المخابز من كافة الرسوم يمثل خطوة مهمة لتخفيف كلفة الإنتاج، لكن نجاحه يبقى مرهوناً بما سيحدث في المخبز، فالمواطن لا ينتظر مزيداً من الاجتماعات واللجان بقدر ما ينتظر إجابة عملية أمام المخبز: هل سيجد الرغيف متوفراً، وبسعرٍ عادل، ووزنٍ معلوم، في جميع مخابز ولاية الخرطوم؟.






