لإجراء مشاورات مع القيادة والقوى السياسية
“الخماسية” في الخرطوم.. دفع الحوار
الزيارة في واقع سياسي وميداني مختلف.. استعادة مركز القرار
تحديد شكل الدولة ونظام الحكم.. مطلوبات التوافق
وداعة: مشاركة النازحين واللاجئين شرطاً أساسياً لضمان الشمول
تقرير: محمد جمال قندول
حراكٌ كبير انتظم العاصمة الخرطوم، حيث وصل وفد الآلية الخماسية، وذلك لإجراء مقابلات مع قيادة الدولة والمكونات السياسية.
واستأنف الوفد مشاوراته مع القوى السياسية أمس الثلاثاء، كما ينتظر أن يلتقوا رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء.
شرط
ودعا المهندس محمد وداعة، رئيس لجنة “الأمل” للعودة الطوعية، إلى ضرورة تأمين عودة اللاجئين والنازحين السودانيين إلى مناطقهم الأصلية، مشددًا على أن مشاركة هذه الفئات تُعد شرطًا رئيسيًا لضمان شمولية الحوار “السوداني – السوداني”، كونهم الشريحة الأكثر تضررًا من تبعات الحرب الحالية.
وتأتي هذه التصريحات في إطار الجهود التي تبذلها “اللجنة الخماسية” — التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي — للعب دور الميسّر والرعائي لمسار الحوار والحل السياسي في السودان.
وأوضح وداعة، في تصريحات على هامش اجتماع القوى السياسية والمجتمعية السودانية مع “اللجنة الخماسية”، أن أي حوار سياسي لن يكون متكاملًا أو يعبر عن إرادة الشعب في ظل وجود نحو 6 ملايين لاجئ سوداني ببلدان الجوار، إلى جانب مئات الآلاف من النازحين داخليًا. وطالب رئيس اللجنة المجتمع الدولي واللجنة الخماسية بالإسهام الفاعل في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، وتسهيل إجراءات العودة الطوعية للسودانيين من الخارج، بما يضمن تهيئة البيئة المناسبة لمشاركتهم في رسم مستقبل البلاد.
ويقول الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي عمار العركي إنّ زيارة الآلية الخماسية للخرطوم في هذا التوقيت تحمل أهمية قصوى؛ لأنها تأتي في ظل واقع سوداني سياسي وميداني مختلف، وبعد أن استعادت الخرطوم موقعها كمركز للقرار، وبدأت ملامح مسار سوداني–سوداني لتهيئة الحوار تفرض نفسها على المشهد. وبرنامج الزيارة، الذي يشمل لقاءات مع الحكومة والقيادة والقوى السياسية والمجتمعية ولجنة تهيئة الحوار، يبدو أقرب إلى الاستماع وإعادة التقييم وتنسيق المواقف منه إلى التفاوض على تسوية جاهزة.
تواجه الخماسية، حسب العركي، واقعًا لا يمكن التعامل معه بأدوات ما قبل 15 أبريل؛ فالحرب غيرت موازين القوة، وأعادت تعريف طبيعة الحرب وأولويات الحل، وجعلت قضايا الدولة ومؤسساتها والتدخلات الخارجية والواقع الميداني عناصر أساسية في أي عملية سياسية مقبلة.
ويرى العركي أن الزيارة ستكون أمام اختبار وسؤال: هل ستتعامل الخماسية مع الحوار السوداني باعتباره مسارًا سودانيًا يحتاج إلى الدعم والتيسير، أم ستعيد إنتاج مسارات خارجية جديدة؟.
ولا يتوقع عمار أن تخرج الزيارة باتفاق سياسي نهائي، لكن يمكن أن تنتج نتائج مهمة، أبرزها توحيد رؤية الخماسية، وإعادة ترتيب أولوياتها، وفهم الموقف السوداني بصورة أكثر مباشرة، وفتح قناة تنسيق مع لجنة تهيئة الحوار، بما يدعم حوارًا سودانيًا لا تصنعه الآليات الخارجية ولا تفرض أجندته من الخارج.
ويرهن العركي نجاح الزيارة بقدرة الخماسية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى المساعدة في صناعة الحل، ومن تعدد المسارات الخارجية إلى دعم المسار السوداني السوداني. وختم محدّثي: فالخماسية أمام فرصة لإعادة قراءة السودان بعد 15 أبريل، لا إعادة تدوير مقاربات ما قبل الحرب.
تطور مهم
يعتقد الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. أسامة محمد عبد الرحيم أن زيارة وفد الآلية الخماسية إلى الخرطوم، وبدء مشاوراته المباشرة مع القيادة السودانية والقوى السياسية والمجتمعية، يعتبر أمرًا مهمًا في توقيته ومضمونه.
ويرى أسامة أن الزيارة تمثل تطورًا مهمًا في طريقة تعاطي المجتمعين الإقليمي والدولي مع الأزمة السودانية، خاصة أنها تنقل جانبًا مهمًا من النقاش السياسي من العواصم الخارجية إلى داخل السودان، حيث توجد الدولة ومؤسساتها والمجتمع والقوى السياسية والمدنية التي ينبغي أن تكون صاحبة المصلحة والكلمة الأساسية في مستقبل البلاد.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية من طبيعة الآلية نفسها، فهي تجمع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة إيغاد، وبالتالي فإن وجود ممثلي هذه المؤسسات مجتمعين في الخرطوم والاستماع بصورة مباشرة إلى السودانيين يمكن أن يساعد في تكوين رؤية أكثر واقعية لما يجري في البلاد، بعيدًا عن الصور والانطباعات التي تشكلت خلال سنوات الحرب من خارج السودان.
ويعتقد د. أسامة أن لقاء الوفد برئيس مجلس السيادة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، إلى جانب القوى السياسية ولجنة تهيئة الحوار والمكونات المجتمعية، يحمل دلالة سياسية مهمة تتمثل في ضرورة التعامل مع مؤسسات الدولة السودانية بوصفها جزءًا أساسيًا من أي جهد يستهدف وقف الحرب وصناعة السلام وترتيب المستقبل السياسي للبلاد.
ويضيف، فالعملية السياسية التي تبحث عن طريق لإنهاء أزمة بهذا الحجم لا يمكن أن تُبنى بعيدًا عن الدولة ومؤسساتها، كما لا يمكن في الوقت نفسه أن تكتمل من دون الاستماع إلى القوى السياسية والمدنية والمجتمعية بمختلف اتجاهاتها. يكمل، المطلوب هو توسيع دائرة المشاورات بحيث تعبر، قدر الإمكان، عن التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني.
ويرى كذلك أن وصول الآلية الخماسية إلى الخرطوم يحمل معنىً مهمًا آخر، وهو أن السودان نفسه ينبغي أن يعود ليكون المكان الطبيعي لمناقشة مستقبله السياسي. فخلال السنوات الماضية انتقلت مساحات واسعة من النقاش السوداني إلى أديس أبابا ونيروبي والقاهرة وعواصم أخرى، وأصبحت بعض المبادرات السياسية تبدأ في الخارج ثم تبحث بعد ذلك عن طريق إلى الداخل. يضيف أسامة: الأصل في تقديري أن يحدث العكس: أن تتشكل الإرادة الوطنية في الداخل، وأن يأتي الدور الإقليمي والدولي لمساندتها وتسهيلها وتوفير الضمانات التي تساعدها على النجاح. وهنا يجب التمييز بوضوح بين التيسير الدولي والملكية الوطنية للعملية السياسية.
وختم محدّثي، نحن نحتاج إلى المجتمع الدولي والإقليمي، ونحتاج إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وإيغاد والاتحاد الأوروبي، خاصة في توفير الدعم والضمانات والمساعدة على وقف الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية ودعم إعادة الإعمار. لكن تحديد شكل الدولة السودانية ونظام الحكم ومن يشارك في العملية السياسية وكيف تُدار المرحلة المقبلة هي في جوهرها قضايا ينبغي أن يتوافق عليها السودانيون أنفسهم.






