هناك فرق مني ابوزيد – موسم الهجرة إلى الكمال..!

هناك فرق

مني ابوزيد

– موسم الهجرة إلى الكمال..!

*”نحن لا نستطيع أن نصنع التاريخ بتقليد الآخرين في سائر الدروب التي طرقوها، بل بأن نفتح دروباً جديدة بأفكار أصيلة تجابه مشكلات التطور في مجتمع يعيد بناء نفسه”.. مالك بن نبي..!*

 

قناة البي. بي. سي أجرت قبل سنوات تحقيقاً مرئياً عن هجرة العقول الطبية الإفريقية واستقرارها في الدول الغنية. الخواجة مقدم البرنامج أسماها هجرة العقول بينما المصطلح الأقرب لواقع الأطباء الأفارقة هو سرقة العقول..!

أن تترك بلادك للجهل والمرض والفقر – مكرهاً لا بطل – ميمماً وجهك شطر العالم الأول لتحقيق أقل طموحاتك المهنية وأبسط أحلامك الشخصية، على وجه ما ..!

قبل اندلاع هذه الحرب كان الأطباء المحليون في السودان ينقسمون إلى ثلاث فئات، “الدكاترة الكبار” الذين زرعوا غرسهم الأكاديمي أيام الزمن الجميل وجنوا قطافه أيام الزمن الرديء. والأطباء الشباب من أولاد العز والمال الذين ورثوا  ممالك الطب كابراً عن كابر، وهؤلاء لديهم مقومات النجاح محلياً، لذلك يمكثون في البلاد ويحققون نجاحاتهم المهنية بمعزل عن هموم الطبقة الكادحة..!

أما الفئة الثالثة فهي السواد الأعظم، الأطباء الشباب القابضين على جمر المحلية، رغم ضعف المرتبات وقلة الحيلة وكثرة الأعباء والمنغصات. وهؤلاء تجد معظمهم صاحب بالين، عقله مع المحلية وقلبه مع السفر للخارج، فتجد الواحد منهم يعمل ويدرس في آن معاً استعداداً للهجرة ..!  

هؤلاء الشباب لا يطاردون البوردات وشهادات الكليات الملكية توسعاً في طلب العلم وترقية الأداء المهني في الداخل، بل طمعاً في تحقيق  حلم العمل في دول العالم الأول. فضلاً عن الكم الهائل من أطبائنا المتميزين في الخليج وبقية الدول العربية..!

خسارة الدولة في تأهيل طالب الطب كبيرة، وهي لا ولن تُعوَّض أبداً في مناخات الأحوال المادية والأوضاع المهنية التي كانت وما تزال طاردة بوازع من سوء التخطيط والتدبير ..!

ولئن سألتم عن حسن التدبير في سودان ما بعد الحرب فهو أن تظهر الدولة جديَّة معقولة في تشجيع الاستثمارات الطبية “إعفاءات من الضرائب، تسهيلات إدارية، قوانين استثمار ذكية مواكبة، علاقة طردية مدروسة بين حجم التسهيلات الحكومية وعدد الكيلومترات التي تبعد المشروع الطبي الخاص عن العاصمة ثم عن أقرب مدينة كبرى” .. إلخ ..!

أما لماذا فلأن ما كان سائداً في سودان ما قبل الحرب من تعويل على جهود الدولة في ازدهار الخدمات الصحية والطبية بالولايات والأقاليم النائية ما هو إلا تعسف مفرط في استخدام الخيال المتفاءل ..!

استرجاع العقول الطبية المسروقة والمهاجرة بعد إرساء دعائم السودان الجديد ليس حلماً، فالإمكانات الموضوعية موجودة، كما وأن بدائل تشجيع الطبيب المحلي على الاستقرار أيضاً ممكنة..!

ليس ذلك فقط، بل أن السودان يمتلك الإمكانات والظروف المؤاتية التي تؤهله ليصبح في المستقبل القريب قبلة طبية لدول شرق ووسط إفريقيا ودول الساحل والصحراء..!

هذا من حيث المبدأ، أما أنواع العراقيل وألوان العوائق وصور القعود عن الفعل فنسأل الله أن تكون قد تقوضت وتهاوت وتهافتت بعد اندلاع هذه الحرب التي لن يعود السودان بعدها كما كان أبداً!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top