محمد نوّار وعين الرضا..
الطاهر يونس..
في زخم الحياة اليومية التي تحيط بنا قد يمرّ الأشخاص الذين نلتقيهم دون أن نلتفت إلى الكثير مما يقدّمونه ولكن هنالك بعض الأسماء التي تبقى عالقة في الذهن من الصعب نسيان أثرها وتجاوز تأثيرها في مناسبات وأحداث مهمة ومفصلية مرّت ومازالت ترسم ملامح مرحلة وتؤسس لحقبة جديدة في تاريخنا .
من تلك الأسماء التي تركت بصمتها في سماء الصحافة الاسفيرية منذ التغييرات الدراماتيكية التي صاحبت فترة ما بعد ديسمبر هو الكاتب محمد جمعة نوار ليس لأنه مجرد كاتب هاديء ومتزن بل لأنه ينبوع من الإبداع المتجدد الذي يمثل السهل الممتنع.
لم تتهيأ لي الظروف أبدًا أن ألتقيه كفاحا لكنني لا أنكر أنني التقيته في كلماته، في مقالاته التي كانت تُحاكي العقل، وتحتل قلب القارئ بأدائها المبدع. هو ذلك الكاتب الذي يملك سحرًا خاصًا في مقارباته، لا يسعى للإثارة ولا إلى التفرد في الآراء بل إلى فتح نوافذ جديدة للأفكار كمن يسير بنا على جسر من الكلمات إلى آفاق لا نراها ولا نعرفها إلا من خلاله مما يحملك أن تصفه
بصدق وبلا شك أو تردد أنه شامة في وجه الصحافة السودانية، كاتب في سخرية(برنارد شو )ولكنه في ذات الوقت يحمل في سطوره دقة الوصف والملاحظة التي لا تخطئ، كمن يراقب تفاصيل أفكار مايكتب بأعينٍ جاحظة تُلامس الواقع حتى تلمسه بأصابعٍ حساسة ، وعمق يأخذ القارئ إلى غيابات من متعة الخيال لا قرار لها… لا يفتأ أن يعيده منها مرارًا وتكرارًا باحثًا عن المزيد من الضوء في تلك الأعماق. فهو قلم لا يكتب للحظة عابرة بل للزمن لذا تظل كلماته مُرافقة صداها حتى إغلاق الصفحة.
احيانا إنتفاء العلاقة المباشرة مع الكاتب(حالتي) تمنح القارئ القدرة الفريدة على التحرر من فكرة ربط الكاتب بشخصه، فتجد أن النصوص نفسها تتحدث بصوت مستقل عن صاحبها ، لا شك أن الإنسان(بما في ذلك الكتاب والمبدعين )يحمل في شخصيته من الإيجابيات والسلبيات ما ينعكس أحيانًا على أعماله، لكن ما يميز محمد جمعة في ظني هو تلك السمة في شخصية الكاتب التي تجعل كتاباته تبتعد عن التأثر بما قد يكون عليه من نقائص بشري ، فقد علمت من المقربين منه أنه يمتلك قلبًا معافى، وروحًا منتجة، لا مكان فيها للركود النفسي، رغم بعض الغضب الذي قد يعتريه في حالات معينة(في قروب اسفيري يجمعنا) كأن يتعرض شخص بالتعميم لبعض القبائل السودانية وإتهامها بالإنحياز إلى التمرد وربطها به مما يراه نوّار ظلمًا غير مبرر وحكمًا ظالمًا يحتاج إلى مراجعته بحذر ، واستخدام تقنية الـ “VAR” علي غرار الرياضة لضبط الموضوعية وميزان التقييم.
مما لاشك فيه أن التوجه من قبل وزير الإعلام لتعيينه في منصب رسمي يشهد على تقدير كبير لعمله وجهوده ، فاختياره ملحقًا إعلاميًا وثقافيا للسودان في إثيوبيا هو خطوة تتوّج تاريخه الحافل بالإبداع وانتصاراً لقبيلة الإعلام التي قدّمت في شخصه ماينفع الناس بعيدا عن الزّبد وحشف الكيل ، إنها لحظة ينعكس فيها التفاؤل بقدرة الإعلام على لعب دورٍ جوهري في تعزيز العلاقات بين السودان وإثيوبيا وشعوب المنطقة وتعزيز مكانة الثقافة السودانية وتأثيرها على الساحة الإقليمية
من ردود الأفعال والترحيب الذي يشبه الإجماع لهذا القرار من قبل زملائه يتضح علو كعب محمد جمعة في مهنته ، مع اليقين أنه سيبقي الكاتب الذي لا تُشوّش أفكاره ولا ينقضى تأثيره سواءً بين السطور في مقال منثور ، أو علي كُرسِيٌ وثير في منصب مرموق.





