الطاهر يونس :كافوري عبء الذكريات وألسنة الحريق (٤)

كافوري عبء الذكريات وألسنة الحريق (٤)
كان عبورنا لخط تماس المواجهة بين الجيش والتمرد بمثابة عبور من عالم ٍ إلى عالم آخر ، فبعد رحلةٍ من الأهوال بدأت من فوهة التنين (كافوري ) مروراً بحلة كوكو وشرق النيل لم يكن فجر الجزيرة فيها إلا لحظة ميلاد جديد أو تنفس ٍ فوق الماء بعد أن كادت الأنفاس تنقطع تحت وطأة العاصفة ، حينها توغلنا داخل الجزيرة مستبشرين بإنسانها الوادع الهادئ ، كانت قوافل الشاحنات العسكرية تمر في الإتجاه المعاكس محمّلةً بالجنود الذين يندفعون إلى ساحة المعركة مشحونين بحماسة لا حد لها وقد حمي الوطيس.
وقفنا في مواجهة هذا الزخم الهائل من جلالات البيادة لتحيتهم تحت حرارة الهجير التي تشوي الوجوه ، ولعلنا نثير فيهم حماسةً أكبر، وندفعهم للإستمرار في مواجهة المجهول ، كانت أصوات الإستغاثة تصل من كل ركنٍ في الخرطوم والناس محاصرون بين مفزوع ومصدوم ومرعوب، تقطعت بهم السبل لتكتب كل خطوة من خطواتهم للفكاك من شرك المعارك المُستعِرة فصلاً آخر من الألم .
الجزيرة التي بدت وكأنها ساحة خلفية للمحاربين كانت تتنفس الهموم والقلق. كانت الوجوه تعكس بوضوح آثار الأخبار المتواترة عن المعارك ، والجموع الهاربة التي تصل من كل حدب وصوب تروي قصصاً مكتوبة بالدم والدموع والصمت الثقيل .
واصلنا رحلتنا عبر المدن والأرياف نكابد مشقة الطريق حتى وصلنا إلى وجهتنا النهائية: “أم دقرسي”. كان المكان أشبه بدائرة إعصار تحتجز كل من إقترب منها، إذ كان مكتظًا بالسكان الضعفاء الذين فروا بما استطاعوا حمله.
العصر يُقارب الرحيل والشمس تتمنع عن المغيب لتضيف فصلاً آخر من المعاناة للصائمين الذين إجتمعوا هنا في إنتظار أخبار الحرب القادمة ، كانت الفرحة بعودة بعض ذويهم تغطيها ملامح التوجس والخوف، فالكل يتسقط أخبار جبهات القتال ويترقبون مصير آخرين يكابدون شدة الحصار الذي لا يبدو له نهاية.
عند وصولنا كانت الساحات مليئة بالمئات الذين نزح معظمهم مع أسرهم إلى حيث مأمنهم ،الوجوه تعكس تعب الأيام الماضية وقسوتها ، لكنهم رغم كل ما مروا به ظلوا متشبثين برباطة جأشهم فقد وجدوا على مايبدو في هذه البقعة ملاذًا آخر لآمالهم. الناس هنا مضيافون بالفطرة ، طيبون بالسجية ، أهل نجدة ، مبذولون لفعل الخير دون منٍّ أو تكلُّف ، غير بعيد صبية وأطفال يشتركون في لعبة بسيطة ، يتقاذفون بعض الكرات كما تقاذفت الحرب مصائرهم وركلتهم إلى المجهول الذي ما زال يتربص بهم .
ما أن وصلنا حتى بدأت أخبار الشهداء تتساقط كأمطار حارقة، الواحد تلو الآخر سقطوا في أرض المعارك وجبهاتها مدافعين عن الوطن ، مجسدين أسمى صور التضحية ، مضوا لله في كامل بهائهم وألقهم بلا ضوضاء ، كانت الكلمات تتردد في الرجاء ، تسري بيننا كغصات حزنٍ عميقة فكل شهيد كان يشكل جزءًا من قصة مؤلمة جديدة ، فها هو العقيد مصطفي لم يسمع صرخة طفله الوليد وقد ووري جثمانه بساحة العز والفخار قيادة الجيش ، إلا أن ذكراه تبقى مع بقية رتل الشهداء كما هو الحال في كل الأوطان رمزًا للكرامة والبطولة التي لا تموت.
الطاهر يونس
نواصل…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top