هناك فرق مني أبوزيد – الوجه الناعم للإعسار..!  

هناك فرق

مني أبوزيد

– الوجه الناعم للإعسار..!

 

*”إذا كان المال يعني الثراء فإن الديون تعني المال أيضاً” .. كاتب إسكندنافي لا أذكر اسمه ..!*

قبل سنوات كانت بعض الحكومات في منطقة الخليج العربي قد أصدرت بعض القوانين لتخفيف العقوبات الخاصة بإعسار بعض الفئات من جهة، ودعمت بعض التوجهات التي تهدف إلى تنوير ذوي الدخل المحدود بمآلات الاستجابات العاطفية للعروض المغرية – التي تعلن عنها البنوك بكثافة وإلحاح – من جهةٍ أخرى..!

بينما في السودان وبالتزامن مع تلك الصحوة الاستهلاكية بدأت ظاهرة مصرفية جديدة تغزو مجتمعنا المحلي تحت مسمى “قروض الزواج”، روجت لها بنوك وباركها شباب كثُر من الذين كانوا مقبلين على الزواج، لا لتأثيث عش الزوجية أو لتوفير بعض النفقات الضرورية ـ كما قد يتبادر إلى معظم الأذهان – بل لمجاراة أسعار تكلفة الولائم وإيجار الصالات وسيارات الليموزين ومراكز التجميل ..!

وهي كما ترى إحدى الصور الإستهلاكية التي طغت على سلوكنا الجمعي وباتت حالاً تستحق الدراسة، فمعظم الأسر السودانية المحسوبة على الطبقة المتوسطة في سودان ما قبل الحرب كانت تعيش بمنهجية الأقساط والديون لبناء مظهر اجتماعي يفوق مستوى الدخل الحقيقي، والسبب هو – بكل نزاهة وصراحة وشفافية – رضوخ معظم الرجال لمطالب معظم النساء ..!

فطموح الحبيبات والخطيبات والزوجات المتطلبات هو الوجه الآخر لتاريخ ديون الأسرة، والدليل على ذلك أن قيمة  القربان – كسبب رئيس للقبول أو الرفض – بقيت حاضرة على مر العصور، كلما تقدم رجل للزواج من امرأة، منذ عهد قابيل وهابيل وحتى آخر زيجة قبل نهاية التاريخ ..!

بعض الأضابير تؤكد أن المعاملة بالديون نشأت في عصر الفراعنة والسومريين، عندما كان ميزان العدالة وقتها في أيدي النساء، كما يظهر جلياً في معظم الحفريات والصور والنقوش القديمة التي تؤكد أن مآسي أبطال الأساطير اليونانية وقعت حينما كان ميزان العدالة ـ أيضاً ـ في أيدي النساء ..!

في الأدب العالمي شواهد كثيرة تشد من أزر هذا المعنى، فلولا إصرار بسانيو على الزواج من بورشيا ابنة الدوق بالمونت في مسرحية “تاجر البندقية” لشكسبير، لما اضطر صديقه انطونيو لاقتراض المال من المرابي شايلوك، ولولا لعنة جوليا زميلته في العمل لما تعرض سميث بطل رواية جورج أورويل “١٩٤٨” للعقاب بدلاً عنها..!

ولولا “ركزة” العاشق” في حضرة البت سعاد – أيقونة المرأة الحلم في رائعة عمر الطيب الدوش – ولولا إصرار البت سعاد نفسها على ازدراء الخاطب الذي لا يملك من أسباب سعة العيش ما يؤهله للصمود تحت سياط الأزمات الاقتصادية لما أصبحت الأقساط هي الوجه الآخر لسعة العيش في السودان ..!

هي محض افتراضات لا ترتقي لمراتب القناعة، ولكن بعيداً عن مبدأ السببية وبعيداً عن تورط المرأة في تأنيث الإعسار تبقى الديون في مجتمعنا – محدود الإنتاج كثير الإستهلاك –  القاسم المشترك الوحيد والطريف في علاقة الغني بالفقير ..!

مع فارق سهل ممتنع مفاده أن الأول يتفنن في إغراقها، بينما يبقى الثاني غارقاً فيها!.

 
munaabuzaid2@gmail.com

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top