للحقيقة لسان
رحمة عبدالمنعم
الخرطوم .. مدينة لاتموت
الخرطوم، تلك المدينة التي كانت تعجّ بالحياة في كل زاوية، باتت اليوم تنتظر عودتها، أحياءٌ كانت تضجّ بالصخب والحركة، أصبحت خاوية، وشوارع كانت تضيق بخطى العابرين، باتت ممتدة بلا روح، الجنجويد جعلوا منها مدينة أشباح، اقتلعوا سكانها من بيوتهم، وأحالوا أسواقها إلى ركام، لكن الخرطوم ليست مدينة تُنسى، ولا ذاكرة تُمحى، ستنهض كما فعلت دائماً، وستعود البيوت التي هُدمت لتُبنى من جديد، وستُضاء النوافذ التي أُغلقت عنوةً، وسيمرّ الناس في الطرقات التي غدت موحشة، ليعيدوا إليها دفء الحياة.
وسط الخرطوم، القلب الذي لم يتوقف عن النبض رغم الألم، لا يزال تحت المعركة، حيث يعمل الجيش على تطهيره من دنس المتمردين بالكامل، لم يعد الناس إليه بعد، لكنه ينتظر لحظة التحرير الكامل، لحظة تتلاشى فيها آخر معاقل التمرد، ليعود إليه رواده، وتعود صينية القندول تعج بالعابرين، ويستقبل مول الواحة زواره من جديد، وتعود كافتيريا الاستاد وكافيه القدس لاحتضان جلسات الأصدقاء بعد طول غياب
الأحياء التي فرّ أهلها منها قسراً، من الصحافات إلى العمارات، ومن الديوم إلى الجريفات والرياض وامتداد ناصر، تنتظر سكانها كما ينتظرونها، الأزقة التي كانت تضجّ بضحكات الأطفال وسهرات الجيران، ترقب يوم العودة، يوم تُفتح الأبواب، ويُعاد ترتيب البيوت التي بعثرها الخراب ،الشوارع التي غدت صامتة، تترقب وقع الأقدام من جديد، تنتظر أن يطلّ منها أهلها، أن تعود أصوات الباعة وأحاديث الصباح، أن تعود الخرطوم مدينة مأهولة كما كانت، لا أن تبقى شاهدة على جريمة التهجير.
المطار الذي كان عنوان الخرطوم للعالم، ينتظر أن تعود إليه الطائرات التي هجرته، أن تعود صالاته تعجّ بالمسافرين، أن تضاء شاشات الرحلات القادمة والمغادرة، أن تعود المدينة كما كانت: لا تغفو، ولا تموت.
أسواقها التي كانت تُعَدّ عصب الحياة، من الشعبي إلى المركزي والعربي، تتمنى أن تستعيد زحامها، أن يعود التجار إلى محالّهم، أن تعلو أصوات الباعة، أن تتنفس الخرطوم رائحتها القديمة، رائحة الخبز الطازج، والبهارات، والكتب القديمة، ورائحة الحياة نفسها التي حاولوا سرقتها منها.
وعلى امتداد شارع النيل، حيث كانت الخرطوم تحتضن عشاقها في المساء، لا تزال الطاولات خاوية، والمقاهي موصدة، والمياه تجري بلا شهود ،لكنه شارع يعرف أهله، ينتظرهم كما ينتظرونه، ليجلسوا تحت السماء المفتوحة، يتحدثون عن العودة، عن البقاء، عن الخرطوم التي لن تُمحى من الذاكرة، ولن تُترك وحيدة ،ستعود الخرطوم، ليس لأن الزمن يعيد نفسه، ولكن لأن أبناءها لن يتركوها تموت. ستعود، بأهلها وأسواقها، ببيوتها التي سُرقت منها الحياة، وبشوارعها التي ستُضاء من جديد ،الخرطوم مدينة تنتظر أن تنهض، وستنهض.






