مشاهد وصور من خراب الخرطوم!! ■ شارع الصحف يسكنه الصمت والرعب. ■ ماذا فعل الجنجويد ببيت دكتور منصور خالد.؟

مشاهد وصور من خراب الخرطوم!!
■ شارع الصحف يسكنه الصمت والرعب.
■ ماذا فعل الجنجويد ببيت دكتور منصور خالد.؟

فى منزل هذا الوزير لم يجد الجنجويد غير (……)..

في الطريق نحو القيادة العامة بدأت مباني بنك السودان رماداً أسوداً
كتب:يوسف عبدالمنان

1️⃣
خرجت من مكتبة جامعة الخرطوم، منهل المعرفة وبحر العلوم الزاحر، وفي القلب حسرةٌ، وفي العين دمعةٌ، وفي القلب خوفٌ أن لاتعود الجميلة بستاناً يجمع كل فراشات البلاد، وقد حطم الأوباش المكتبة، وتناثرت الكتب النادرة، والمراجع الثمينة، على الأرض، والجنجويد يبعثرون المكتبات بحثاً عن المال والذهب !! وقد أوحى لهم بعض الأشرار بأن (الجلابة) (دفنوا) الذهب في باطن الأرض، وقد أوحى بعضهم إلى الجنجويد بأن ذلك البيت ذو السقف من الزنك يقطنه جلابي كبير، من رموز دولة 56، ووزير في حكومة البرهان، اسمه جرهام عبدالقادر، وجاء كل غشيم ولص، ونهبوا البيت الذي يشبه بيت اي موظف صغير في وزارة الزراعة مسقوفا بالزنك الأمريكي زهيد الثمن، وحينما نهبوا كل شي نزعوا الأبواب والأسقف وحفروا غرف البيت بحثا عن الذهب، ولم يجدوا غير كتب عن الموسيقى والتراث والفكر والتصوف.
وفي جامعة الخرطوم كانت المأساة شاخصةً، فكافتريا النشاط حطمها الدعامة وتغوط – لا مؤآخذة – في غرفها الأوباش !! فأصبحت تنبعث منها رائحة كريهة، بدلا عن رائحة ليمون الجامعة، الذي يأتيه العشاق من بعيد. ودخلت مكتباً محطماً في كلية القانون، كان يجلس فيه العالم القانوني والفقيه الضليع بروفيسور حافظ الشيخ، ابن كردفان. وتأملت بوابة الجامعة التي تحطمت أمامها كل طموحات الجنجويد، وقدمت القوات المسلحة شهداء بعدد الحصى، من أجل تحرير الجامعة، التي كانت ترفض دخول عسكري واحد لباحاتها، ولكن حينما أُغتصبت، لم تجد غير العسكر لتحريرها، ونظافة ترابها من رجس الأوباش الأسافل. فهل تكشف القوات المسلحة عن عدد شهداء معركة تحرير الجامعة؟ حتى بصورهم تتزين ساحاتها، وترسم علي جدرانها ذكراهم، تحي بطولات ملحمة التحرير.
2️⃣
صمتٌ مخيفُ، وشوارع المدينة خالية الا من حراسها الاوفياء، وفي الطريق نحو القيادة العامة بدأت مباني بنك السودان فرع الخرطوم رماداً أسوداً، وقد تناثرت بقايا حطام الكراسي والأثاث الخشبي الذي إستخدمه الجنجويد لإشعال النار لصناعة طعامهم !! وجنوب بنك السودان بدأت عمارة رئاسة الدعم السريع شاهداً على مافعله فرسان الجو بمقار الجنجويد، وتلك البناية التي تجاور مجلس الصحافة، ويالها من جيرة الفقير مع الغني، ومبنى الدعم السريع شيده صلاح قوش، وكان حلمه بعد مغادرة مبنى رئاسة جهاز الأمن إلى استشارية الأمن القومي، التي كان قوش يطمح في الارتقاء بها لتصبح مؤسسة حاكمة، تستظل بظل البشير، ولكن البشير أطاح به ووضعه في السجن بتهمة الانقلاب عليه، وسكن حميدتي مساكن الذين ظلموا أنفسهم، فهوت به طموحاته الشخصية إلى تخريب البلاد بأكملها.
وعبر الشارع المؤدي لمستشفى الخرطوم والمنطقة المركزية العسكرية دمرت القوات المسلحة أربعة دبابات تماماً، والسؤال كيف عرفنا أنها من دبابات الجنجويد؟ لأن كل فوهات الدبابات مصوبة نحو القيادة العامة. وكم ضحى جنودنا غر الجباه من أجل عودة الخرطوم، ولو تأخرت لسنوات فإن فرسان القوات المسلحة وجهاز الأمن. وكان صلاح أحمد إبراهيم ( اخوكي يافاطنة) يبصر ماوراء الحجب وهو يقول:
أعرفهم الضامرين كالسياط الناشفين من شقا.
اللازمين حدهم، الوعرين مرتقي.
اعرفهم كأهل بدرٍ شدةً ونجدةً وطلعةً وخلقاً.
أعرفهم إذا غضبوا مثل انفلاق الذرة.
أو فتكوا فاسأل عن الصاعقة.
الجن لايحوشهم من شدة التعنت.
تسوقهم إلى الردي زغرودة الفتوة.
يأكلون الجمر ولايلوون بالدنية.

وفي شارع الصحافة والصحافيين، بدأ المكان قفراً وفقيراً ملوثاً بمخلفات الحرب، وآثارها، ولم يبق من المكان غير هياكل مباني مهشمة. ونظرت إلى مبنى صحيفة الصحافة وطافت بي صور الأصدقاء والأحباب، واطل الراحل حسن البطري، والنور أحمد النور، ورشاقة شبونه، ومحمد إبراهيم وتمرده، حتى أطلقنا عليه العلماني، وصحيفة المجهر والهندي، والوجبه صلاح حبيب، وجلسات المقاهي واللقيمات وقهوة حاجة فاطمة، وبليلة العدسية، والحاج وراق في مقهى حليوة، التي اتخذها مطرودي الحزب الشيوعي ملاذاً للنضال ورمزيةً للكفاح. وهم يزعمون أن كل بائعة شاي بالضرورة مقهورة، من نظام مفتري عليه، و مفتري علينا. وطرقات شارع الصحافة الذي تفرق أهله فأصبح عبدالمنعم ابوادريس نقيباً لنقابة مقيمة في يوغندا!! ولكنها ترتدي الكدمول وتعيش في جلباب حميدتي، والسؤال هل سيعود ذلك الزمان وقد تسلق نبات اللبلاب البنايات، وغطت الأشجار معظم الشوارع، وبات صعباً عبور السيارة بتلك الأزقة، ومخلفات الحرب من الذخائر غير المتفجرة، تغطي الأرض المتعبة.
3️⃣
صيدلية ألمك نمر محطمة الأبواب، وقفنا أمامها ننظر إلى الارفف الخاوية. وتطل صحيفة الانتباهة التي رحم الموت ربانها المهندس الطيب مصطفى قبل أن يشاهد خراب الخرطوم. وبدأت عمارة رجل الأعمال حسن صباحي، ذات الثلاثة طوابق، وقد نهبت ولم تبق الا نفحات رجلٍ كان يعطي بلا حساب، وينفق بلا رياء. والي الغرب إدارة الأمن الاقتصادي.
ولكن الفجيعة حينما ولجت بيتاً لكم جلست ونهلت من معين صاحبه، ولكم تعلمت من ثمانية عشر كتاباً، رفد بها المكتبة السودانيه، ذلك منزل العالم الراحل دكتور منصور خالد، فقد كنت أجلس إليه مثل الحوار في حضرت شيخه، والجندي أمام قائده، دخلت بيتاً تفوح منه رائحة التاريخ وعبق العلم، وقد اهتم منصور في حياته بزينة منزله من الزهور والعطور واللوحات الجمالية، لقد دخل بيته الجنجويد ضحىً وعبثوا بالمكتبة واللوحات التي رموها في الأرض، والحديقة جفت، واسراب النحل في الأشجار، والاواني النحاسية في كل مكان، من البيت الوسيع كتب منصور حوار مع الصفوة، وتنازل الزعازع وجنوب السودان في المخيلة العربية. ولماذا انفصل جنوب السودان وختم منصور إنتاجه الفكري والثقافي بشذرات من هوامش على سيرة ذاتية، لم يضف كاتب سوداني للدار السودانيه للكتب، والشروق، والساقي رصيداً معرفياً وفكرياً، وإنتاجاً مثل منصور خالد، طوال سنوات الإنقاذ، كان منصور من عتاة معارضيها سياسياً وفكرياً وحتى عسكرياً وهو مستشار لجون قرنق، ولم تتجرأ الإنقاذ بالمساس ببيت ابن الأسرة الماجدية، ولكن الجنجويد ولصوص عرب الشتات، عاثوا في البيت فساداً كبيراً، وأحالوه إلى رماد. خرجت من بيت منصور الذي صار خراباً، وأنا أردد مع عالم عباس محمد نور، بعض حروف من قصيدته إلى الخرطوم، من مدن صالح:
لم يكن في السماوات من مطرٍ، فالسحاب جهام
والأرض من غيظها
برقعت وجهها
تستفز الأنام.
هبت الريح تتري
باخبث ماتحمل الريحُ
واستوثق المحل يسري.
وشاع السقام وعم الظلام. ودب السهاد، فلا نومٌ فالنومُ يقظانُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top