هناك فرق
مني أبوزيد
المثقف العَطَوي..!
“تكلم حتى أراك”.. سقراط..!
في ظل المجزرة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع في معسكر زمزم، وبتوقيت ارتقاء أرواح الشهداء المدنيين العُزَّل من الشيوخ والنساء والأطفال، وشهداء الواجب من الأطباء، أثار حفيظتي واشمئزازي ما كتبه أحد المثقفين العطاوة المناصرين للمليشيا دون أن يطرف له جفن..!
في أتون الحرب المستمرة التي أودت بحياة الآلاف من الأبرياء في دارفور، وفي ظل أجواء النزاع التي لم تترك للإنسان مساحة للتمتع بمسافةٍ ما بين ما يراه وما يعيشه، يبرز معظم المثقفين المنتمين إلى قبائل دا فورية بعينها – معظم وليس كل – في صورة “المثقف الدارفوري العطوي” إن جاز التعبير، كأحد التمظهرات الملتبسة التي تكاثرت في قلب هذا الصراع الأهلي التاريخي..!
المثقف العطوي – المنتمي إلى ذلك النسيج من قبائل العطاوة – هو ذلك الكائن الذي يفترض أنه حامل للوعي، ورافع لشعلة الفكر، لكن الواقع يعكس صورةً مغايرة مفادها أنه قد كان وما يزال أسيراً لأوهامه العنصرية وتناقضاته الفكرية، ومآزقه الأخلاقية، محاصراً بين قيد الهوية والقبيلة والتزامه الفعلي بالعدالة، وبين انشغاله بمحاربة أعداء مفترضين على حساب “الواقع الأخلاقي” الذي يفترض أن يكون جزءً من رؤاه الفكرية..!
لقد سلبت الحرب في دارفور الكثير من الفضاءات الفكرية، فقد كانت العنصرية القبلية جزءً لا يتجزأ من سردية الصراع. تلك العنصرية التي لم تقتصر على “الآخرين”، بل توسدت قلب ذلك المثقف نفسه فتسربلت بها مواقفه المعلنة دون حياء..!
كيف لمثقفٍ يسير على مدارج الفكر المستنير أن يتغاضى عن الجرائم البشعة التي ارتكبتها مليشيا “الدعم السريع”، والتي طالما كان لها دور أساسي في تدمير المجتمعات المحلية، كيف له أن لا يدير ظهره لما يحدث من انتهاكات وفظائع فقط، بل أن يحاول قلب الطاولة على القوات المسلحة السودانية وكل من يقاتلون معها..!
المثقف الذي بات يركض وراء عصبيته القبلية، محاولًا إنكار أبسط الحقائق التي تثير الانقسام بين قبائل دارفور نفسها، بل وحتى بين أبناء قوميته. وفي الوقت الذي يهاجم فيه الجيش السوداني وكل الذين يقاتلون إلى جانبه، يغض الطرف عن جرائم الدعم السريع التي تتجاوز الفطرة الإنسانية نفسها..!
قد يكون هذا التناقض الفكري انعكاساً واضحاً للجنون الذي أصاب المجتمع بأسره، حينما تصبح القبيلة أولاً، ويختزل كل شيء في مفهوم العرق والهوية حتى وإن كان ذلك يعني دعم المجرمين أنفسهم. إنّ إعراض هذا المثقف عن الحقيقة، وارتكانه إلى التزام زائف يجعل من محاولاته للحديث عن العدالة والمساواة مجرد كلام فارغ، يتناقض مع حقيقته نفسها..!
يحتاج هذا النموذج الطاغي من صورة المثقف العطوي إلى أن يواجه نفسه أولًا، فإما أن يكون ذلك الشخص الذي يسعى لإحياء الأمل في قلب دارفور، ويضع نصب عينيه أن الانتصار على الجهل لا يتم إلا بمواجهة الانقسام الداخلي، أو أن يظل أسيرًا لأوهامه العنصرية وتناقضاته الفكرية، بعيداً عن منابر الوعي والأخلاق والفكر والوجدان السليم..!
المثير للسخرية أن هذه الحرب هي حرب هذا المثقف العطوي ضد نفسه أولاً، وهي الحرب الوحيدة التي لن تنتهي أبدًا، ما دام الفكر المشوره يغذي هذا الجحيم الفكري..!
المثقف الحقيقي هو من يحارب أولًا من أجل الإنسانية، ومن ثم فهو ينتصر لمبادئها بعيداً عن لعنة التعصب للقبيلة، تلك اللعنة التي طالما كانت أحد الأسلحة المدمرة لإنسانيته هو قبل وجود الآخرين!.
munaabuzaid2@gmail.com






