ايمن كبوش يكتب: سناء محيدلي السودانية.. !

افياء
ايمن كبوش
سناء محيدلي السودانية.. !

# قلت له: احتفى الزميل الأستاذ (اسماعيل جبريل تيسو).. من خلال مادة محترمة.. على صحيفة (الكرامة).. بشهيدة العز والفخر والنضال والكرامة.. الدكتورة (هنادي النور داوود).. وهو احتفاء مستحق، بلا أدنى شك، بمن دفعت روحها وحياتها رخيصة في سبيل الوطن بمعسكر زمزم للنازحين بولاية شمال دارفور، ذلك الحضور الباذخ لم يكن واجبا عليها بعد أن تراصت صفوف الرجال تسابقا نحو القتال دفاعا عن الأرض والعرض ومجابهة الاحتلال.. ولكنها اقدار من سوف يذكرهم التاريخ عبر الأجيال.. وليت الزميل النابه ابحر اكتر في سيرة البطلة الشهيدة من أجل التوثيق، اين قرأت ؟ وفي أي جامعة تخرجت ؟ من هم أهلها وأسرتها وبقية تفاصيلها، بعد أن شكلت احداثيات حضور لن تمحى من ذاكرة المجتمع السوداني.
# وطالما أن الشيء بالشيء يذكر، فلا بأس من أن نذكر هنا، بما حفظته سجلات التاريخ من مواقف بطولية سوف تظل عصية على النسيان.. هذا يقودنا إلى التاسع من أبريل من العام 1985.. عندما اقتحمت شابة لبنانية صغيرة في عمر الرحيق والندي، موقعاً لجيش الاحتلال الاسرائيلي قرب حاجز بين الجنوب وجبل لبنان وفجرت نفسها بسيارة بيجو 504 مجهزة بـ200 كلغ من مادة ت.ن.ت شديدة الانفجار، يومها، تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية أنباء هذه العملية الاستشهادية التي هلك فيها ضباطا من جيش الاحتلال، وفي مساء تنفيذ العملية، أطلت الاستشهادية الصغيرة (سناء محيدلي) عبر فيديو مسجّل من خلال شاشة تلفزيون لبنان لتعلن وصيتها بنفسها والتي قالت في جزء منها: (أحبائي إن الحياة وقفة عز فقط.. أنا لم أمت بل حية بينكم أتنقل.. أغني.. أرقص.. أحقق كل آمالي.. كم أنا سعيدة وفرحة بهذه الشهادة البطلة التي قدمتها.. أرجوكم أقبّل أياديكم فرداً فرداً لا تبكوني.. لا تحزنوا عليّ. بل افرحوا اضحكوا.. أنا الآن مزروعة في تراب الجنوب أسقيه من دمي وحبّي له.. لا تغضبوا عليّ لأني خرجت من البيت دون إعلامكم.. أنا لم أذهب لكي أتزوج ولا لكي أعيش مع أي شخص بل ذهبت للشهادة الشريفة الباسلة السعيدة.. وصيتي هي تسميتي “عروس الجنوب).. يومها بثّ التلفزيون اللبناني مقابلة مع عائلة الشهيدة قال فيها والدها يوسف إنه معتز بابنته سناء وشبهها بجميلة بوحيرد الجزائرية، مضيفاً: لقد أرادت الاستشهاد من أجل الجنوب، أما والدتها السيدة فاطمة محيدلي فقالت إن شعور الاعتزاز لديها طغى على شعور الحزن وأنها بصدد إعداد أجمل فستان عرس لعروس الجنوب الحقيقية سناء محيدلي التي قالت عنها ابنة شقيقها: (أنا “سناءُ” الطفلةُ… وفي اسمي حكايتكِ.. أحملُ عبيركِ في دمي، وأُنشِدُ رايتكِ.. يا عمّتي، يا عروسَ الجنوبِ والمَدى.. هل تسمعين ابنةَ أخيكِ، تُقسم ألا تهتدى؟.. لن أنحني، فالعزُّ في كفّي ارتوى.. وسيفُكِ باقٍ، لا يُغمدُ في المدى”!) لتنهض هذه الكلمات شاهداً على أننا قادرون، في شتى الأماكن والمجالات، على الانتصار للاوطان، بوحدتنا وتضامننا، على نهج سناء المؤمنة التي قالت: “إن فيكم قوة لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ”.. ثم قال الشاعر عصام العريضي في سناء: (لم يَعُدْ اسمي ذكاء.. قالتِ الشمسُ حَيِيّه أنا بعد اليوم أصبحتُ سَنَاءْ.. أجملُ الأسماءِ اِسْمٌ لِصَبِيّةْ أعطتِ العالَمَ درساً في الِفداءْ.. جاءَ في حَجْمِ القضيّةْ علَّمَ الأجيال بعدَ اليومِ أنَّ الهَمَجيَّهْ سُحِقَتْ من تحتِ أقدام صَبيَّهْ اسمها الضّاحك للشمسِ سناءْ اعذريني يا سَماءْ قالتِ الشّمس السّنيةْ).
# أعود وأقول إن هذه الكلمات بمثابة تحايا إلى كل الذين يشعون ضياءً ونورا في تفاصيلنا اليومية، يضيئونها وكأنهم في حالة تهيئة وتمهيد للغياب، لذلك هنادي لن تكون في ذاكرتنا مجرد شهيدة ضحت بروحها وجسدها في وجه الاوغاد، بل هي أحيت فينا وعياً، وحباً، وكرامة وعرفتنا بالمعنى الأقرب للتجرد والتضحية… هنادي (سناء محيدلي) السودانية كانت وسوف تظل.. أيقونة حقيقية تمشي بيننا.. لم تهرب ولم تبحث عن المخرج الذي يجعلها في مأمن وهي التي قالت للجنجويد: (نحنا رجالكم) وقد صدقت.. ونالت ما يناله أهل الصدق واليقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top