كبسولة وعي
إعلام الجيل الخامس: حين تتحول الشائعة والإلهاء إلى درونات نفسية
الإعلام وأدواته كسلاح.. استراتيجي ضد السودان (4)
الحرب تبدأ بإعادة تشكيل الإدراك قبل أن تُطلق طلقة واحدة…
يُعاد تغليف الجريمة بعبارات مخدّرة مثل”الطرفان مذنبان” و”لا حل عسكري”…
تمر الشائعة بمسار تكتيكي يبدأ بزرع بذرة غامضة قابلة للتصديق..
*بقلم صباح المكي*
في زمن الحروب الهجينة، لا تبدأ الحرب بالرصاص، بل بإعادة تشكيل الإدراك قبل أن تُطلق طلقة واحدة.
في الجزء الأول، تناولنا النظريات الإعلامية التي انتقلت من أدوات لفهم الجمهور إلى وسائل لتوجيهه، من “الرصاصة السحرية” إلى “تأطير الأحداث” و”الغرس الثقافي”.
وفي الثاني، استعرضنا تطبيقاتها في الحالة السودانية، حيث تُستخدم لتشويه رمزية الجيش وتفكيك الموقف الوطني.
أما الثالث، فكشف البروباغندا الرمادية، حيث يُعاد تغليف الجريمة بعبارات مخدّرة من قبيل “الطرفان مذنبان” و”لا حل عسكري”.
نصل الآن إلى الطور التنفيذي الأخطر: التفخيخ الإدراكي. هنا، تُفعّل النظريات على الأرض عبر أداتين متكاملتين في إعلام الجيل الخامس: الشائعة والإلهاء. أداتان ناعمتان، لكن فتاكتان، تُربكان الإدراك، وتُشتتان الانتباه عن العدو الحقيقي.
فلا تُخاض المعركة في الميدان، بل داخل الوعي الشعبي، حيث تتحوّل الحقيقة إلى احتمالات، والسيادة إلى رأي، والموقف الوطني إلى فوضى بلا بوصلة.
.*الإلهاء الممنهج: كيف تُختطف اللحظة في ضجيج الترند؟*
وصف البروفيسور نعوم تشومسكي، الفيلسوف الأمريكي وأستاذ علم اللغويات، الإلهاء بأنه أحد أقدم أدوات السيطرة الناعمة؛ إذ لا يُمنع الناس من الوصول إلى الحقيقة، بل يُغرقون في طوفان من التفاصيل المضلّلة التي تصرف انتباههم عنها. وفي الحروب الهجينة، لم تعد السيطرة تُمارس بحجب المعلومات، بل بإغراق الإدراك الجمعي بضجيج متعمّد يُشتّت الانتباه ويُبدّد التركيز.
في الحالة السودانية، تحوّل الإلهاء من أداة إعلامية إلى نظام تشغيل يومي تُديره ماكينة التشويش التابعة لنظام أبوظبي، والتي تُفعَّل عند كل لحظة مفصلية: نصر عسكري، مجزرة، أو انكشاف دعم خارجي للميليشيات. حينها، تُطلق حملات مدروسة تشمل تسريبات قديمة، فضائح مصطنعة، قضايا رمزية حول زي أو لهجة، وجدالات سطحية تخنق الحقيقة. لا يُمنح الوعي الجماهيري فرصة لهضم الحدث، بل يُغرق في صخب مفتعل يعطّل التفكير ويُحوّل الانتباه عن جوهر الصراع. ومن أدوات هذا الإلهاء: نقل التركيز من الجريمة إلى خلافات جانبية، إطلاق ترندات بديلة، تفجير الانفعالات الجماهيرية، استخدام خطاب الحياد الزائف، وتسريب الشائعات عبر حسابات مأجورة.
والنتيجة ليست تغييب الحقيقة، بل اختطاف الإدراك ذاته؛ لا يُسكت الصوت الوطني، بل يُغرق في ضجيج يُفرّغ الوعي، ويفكك الجبهة النفسية دون طلقة واحدة.
*الشائعة كدرون إدراكي: من الاحتمال إلى اليقين الزائف*
ليست الشائعة مجرد حديث عابر، بل أداة إدراكية ناعمة تُستخدم في الحروب النفسية لإعادة ترميز الواقع وضرب الثقة العامة، خاصة في لحظات الارتباك الجماعي. يعرّفها علم النفس الاجتماعي بأنها “معلومة غير مؤكدة تُصدَّق بسبب حساسيتها وسرعة انتشارها، لا لصدقها”. وقد رأى غوردون ألبورت في Psychology of Rumor أن الشائعة تُبسّط الأحداث المعقدة لتجعلها سهلة الهضم، فيما وصفها جان بودريار في Simulacra and Simulation بأنها “واقع زائف يبدو أحيانًا أكثر واقعية من الحقيقة نفسها”.
تمر الشائعة بمسار تكتيكي يبدأ بزرع بذرة غامضة قابلة للتصديق، ثم إسنادها لمصدر مبهم يضفي عليها مصداقية خادعة، يليها تقديم بلغة صادمة تُحفّز الانفعال، إلى أن تُكرَّر حتى تتحوّل إلى “حقيقة شعبية”. بهذا، تصبح الشائعة أشبه بدرون إدراكي: خفيفة، صامتة، لكنها تضرب بعمق في الوعي، وتُربك الإدراك وتفكك الثقة المجتمعية. وهي بذلك تُجسّد عدة نظريات إعلامية في آنٍ واحد: تُحدث أثرًا مباشرًا كما في “الرصاصة السحرية”، وتُكرَّس عبر التكرار وفق “نظرية الغرس الثقافي”، وتُعيد ترتيب الأولويات وفق “التأطير”، وتعمل في منطقة رمادية كما في “البروباغندا الرمادية”، ثم تُغسل وتُسوّق لاحقًا كـ”رأي شعبي” بفضل تضليل مموّل يُقدَّم بلكنة محلية وأساليب مألوفة.
في السودان، لا تُطلق الشائعة عشوائيًا، بل تُفعّل في اللحظات الحرجة: عقب انتصار عسكري، أو عند انكشاف دعم خارجي، أو قبيل تحرّك دبلوماسي دولي. وغالبًا ما تُقدَّم بصيغ غامضة مثل “مصدر مطّلع” أو “وثيقة لم تُنشر”، وتستهدف بشكل مباشر رمزية الجيش، ومفهوم السيادة، وبنية الوحدة الوطنية. الأخطر أن حركتها تكون دومًا عكس منحنى الانتصار: فكلما تقدّم الجيش، ظهرت رواية عن انقسام؛ وكلما انكشف العدو، سُرِّبت رواية عن “صفقة سيادية”. الهدف لا يكون المؤسسة العسكرية في ذاتها، بل تفكيك الحاضنة الشعبية التي تمنحها الشرعية والمناعة النفسية.
*قضايا المشاهير والفعاليات الجماهيرية: توقيت، تكتيك، تفكيك*
في الحروب الرمزية، لا تكون قضايا المشاهير والفعاليات أحداثًا بريئة، بل أدوات لتشتيت الانتباه وتفكيك الإدراك الجمعي. سواء جاءت على هيئة فضيحة فنية، مهرجان صاخب، أو تصريح رمادي، فإنها تخدم هدفًا واحدًا: صرف الوعي عن المعركة الحقيقية.
تُؤدي هذه الأدوات ثلاث وظائف: الإلهاء المصنوع، التضليل الرمزي، وتشويش الرموز الوطنية. وغالبًا ما تُبنى على تسريبات غير مؤكدة وتُقدَّم في توقيت محسوب ضمن خطة تشويش ممنهجة. أحيانًا، يُستدعى “صوت مستقل” يروّج لسردية معادية مغلفة بلهجة محلية، تُشعل الفضاء الرقمي بردود عبثية تُفرغ النقاش من مضمونه.
فيتحول كثيرون، عن حسن نية، إلى “دون كيشوت رقمي”، يشتبكون بانفعال مع رموز مصنّعة، ويغفلون الجبهة الحقيقية. وهكذا تصبح هذه القضايا “درونًا إدراكيًا مزدوجًا”: نصفها شائعة تربك الوعي، ونصفها الآخر إلهاء يُعيد برمجة الانتباه.
أما الفعاليات الجماهيرية، فتزامنها مع المجازر أو الفضح السياسي يجعلها مؤشرًا واضحًا على توظيف الترفيه ضمن البروباغندا الرمادية، خصوصًا حين تتسم بتوقيت مشبوه وتغطية إعلامية مفرطة، وتخلو من أي مضمون تضامني. فالترفيه المُسيّس لا يُخدّر الوعي فحسب، بل يُعيد هندسته، محوّلًا الذاكرة الجمعية من سجل للمقاومة إلى عرض استهلاكي سريع الزوال.
*الشائعة والإلهاء: وجهان لعملة واحدة في الحرب الرمادية*
في معركة السيطرة على الإدراك، لا تعمل الشائعة والإلهاء كتكتيكين مستقلين، بل كآليتين متكاملتين داخل منظومة البروباغندا الرمادية. لا تقوم هذه المنظومة بحجب الحقيقة، بل تُخضِعها لإغراق رمزي ممنهج يُفرغها من مركزها المعرفي. ويظهر التواطؤ البنيوي بين الشائعة والإلهاء في توزيع الأدوار باحترافية بالغة: الأولى تُزعزع اليقين وتفتح ثغرة في جدار الثقة، والثانية تسارع إلى ملء الوعي بضجيج لحظي يُطفئ أثر الصدمة قبل أن يتحوّل إلى وعي. الشائعة تُفجّر الإدراك من الداخل، والإلهاء يمنع تبلور الفهم الجماعي. هكذا تُدار الحرب على العقل الجمعي: لا عبر أدوات القمع الصريح، بل عبر تآكل الانتباه وتدوير التشويش. إنها ضربة باردة تُوجَّه إلى الوعي، لا تُحدث جلبة، لكنها تترك العقل مرتجًّا، مأخوذًا في دوامة من الانفعال غير المنتج.
*خاتمة: من الضجيج إلى الخوارزمية*
ما يُنتجه هذا النموذج الإعلامي ليس صمتًا، بل فوضى معرفية مبرمجة. الناس يتجادلون، ينفعلون، يتفاعلون — لكن داخل دوائر مفرغة تُعيد إنتاج العجز بدل الوعي، والانفعال بدل الموقف. الشائعة هنا ليست كذبة، بل قذيفة إدراكية. وإذا أحدثت ثغرة، يتكفل الإلهاء بإخمادها عبر تشتيت مدروس.
خطورة هذا النموذج في نعومته: الحقيقة لا تُقمع، بل تُخنق وسط الترندات؛ الأفواه لا تُكمّم، بل تُوجَّه إلى تفاهات تُفرّغ الإدراك. الفوضى تُدار لا عشوائيًا، بل عبر خوارزميات ومنصات محلية اللكنة، عالمية التمويل.
وهنا نصل إلى أخطر فصول المعركة:
من الاستوديو إلى الخوارزمية — من التسليح إلى الهاسبارا — من البندقية إلى المصطلح — من الرسالة الصريحة إلى الإيحاء اللاواعي.
الحرب على السودان تُخاض بالمحتوى، بالإيقاع، وبالرمز. نسخة ناعمة من النموذج الصهيوني تُستخدم لهدم الوعي، لا بالقمع، بل بالترفيه، بالاستهلاك، وبإعادة برمجة الإدراك من الداخل.
وهذا ما سيكون محور الجزء *الخامس والأخير*:
“من الاستوديو إلى الخوارزمية” و”هاسبارا نظام أبوظبي” و”الرسائل اللاواعية في الإعلام الرقمي” — قراءة معمّقة في أدوات الحرب الإدراكية الجديدة، حيث تُدار المعركة بالانطباع لا بالحقائق، وبالمحتوى لا بالرصاص، وتُختطف السيادة من بوابة الوعي قبل أن تُنتزع من الميدان.
bitalmakki@gmail.com






