قراءة موضوعية فى الفرص وآلية التنفيذ..
تحوّل الأندية إلى “شركات مساهمة رياضية”.. الأسباب و التحديات،
إنشاء بيئة رياضية مؤسسية مستدامة هو الطريق لإعادة السودان إلى مصاف الكبار..
إعداد : م . را مي كمال
ناديا القمة يعانيان من ضعف التمويل وغياب البنية المؤسسية
أبرز دوافع التحول جذب رؤوس الأموال، وتحقيق استقلال مالي وإداري
إعداد : م . را مي كمال
*أولاً: مدخل ومقدمة*
تشهد كرة القدم الأفريقية *تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا* نحو النماذج المؤسسية الحديثة، حيث بدأت الأندية الكبرى في القارة تنتقل من نمط *التسيير التقليدي* إلى نموذج “شركة المساهمة الرياضية”. وقد أثبتت هذه التجربة نجاحها في أندية مثل صن داونز الجنوب أفريقي، والأهلي المصري، ويانغ أفريكا التنزاني، إذ أتاحت هذه التحولات للأندية جذب استثمارات ضخمة، توقيع عقود رعاية طويلة الأمد، وتوسيع القاعدة المالية والفنية.
في السودان، لا تزال أندية قمة كالهلال والمريخ تعاني من ضعف التمويل وغياب البنية المؤسسية، رغم امتلاكها لقاعدة جماهيرية ضخمة وتاريخ رياضي مشرف. لكن الواقع المالي والإداري يعاني من تشوهات هيكلية، أخطرها *الاعتماد المفرط على التبرعات والدعم الشخصي غير المستدام*.
*ثانياً: دوافع التحوّل المؤسسي*
أبرز دوافع التحول تتمثل في السعي نحو جذب رؤوس الأموال، وتحقيق استقلال مالي وإداري، وتعظيم مصادر الدخل، وتطبيق الحوكمة، وضمان الاستدامة في المشاركة القارية، ومجاراة التطور العالمي.
الأندية الحديثة في إفريقيا تتجه نحو التمكين المالي الذاتي، وهي خطوة *تأخرت* عنها الأندية السودانية كثيرًا.
*ثالثاً: تجارب أفريقية ملهمة*
• *صن داونز – جنوب إفريقيا:*
أحد أنجح النماذج، مملوك لرجل الأعمال باتريس موتسيبيه، رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. يدار النادي باحترافية عالية واستثمارات تفوق 28 مليون دولار سنويًا.
•* الأهلي المصري*:
بدأ عملية التحول إلى شركة مساهمة لكرة القدم، بإيرادات بلغت 35 مليون دولار أمريكي للموسم المالي المنتهي في 2024، مقابل مصروفات قدرها 22.14 مليون دولار، بفائض يقارب 12.8 مليون دولار.
• *بيراميدز المصري:*
رغم حداثته، تمكن من إحراز بطولة دوري أبطال أفريقيا 2025، وبلغ إجمالي ميزانيته خلال 6 سنوات نحو 1.9 مليون يورو. هذا الإنجاز النوعي رفع قيمته السوقية وأهله للمشاركة في كأس العالم للأندية 2029.
• *يانغ أفريكا التنزاني:*
بلغ إجمالي إيراداته 8,076,190 دولار في 2024، مقابل مصروفات 8,495,238 دولار، مما أدى إلى عجز مالي بلغ 419,048 دولار. يملك النادي نموذج ملكية مختلط (51% للأعضاء و49% لمستثمرين)، ويعتمد على التسويق والرعاية بشكل أساسي، لكنه يعاني من الترهل الإداري.
• *سيمبا التنزاني:*
تفوق على يانغ أفريكا ماليًا، بإيرادات بلغت 9,878,095 دولار مقابل مصروفات قدرها 9,683,809 دولار، محققًا فائضًا قدره 194,286 دولار. يمتلكه رجل الأعمال محمد ديوجي بثروة تتجاوز 2 مليار دولار.
• *تي بي مازيمبي – الكنغو:*
مملوك لمويس كاتومبي أحد رجال أعمال ألماس في إفريقيا، ويعد من أكثر الأندية استقرارًا إداريًا وماليًا.
• *كايزر شيفز – جنوب أفريقيا:*
بلغت ميزانيته 19.6 مليون دولار، مقابل إنفاق 20.72 مليون دولار، ما يعني عجزًا قدره 1.12 مليون دولار. يعتمد على الرعاية والحوافز لكنه يعاني من ضغط الرواتب والانتقالات.
*نادي “Les Aigles du Congo”، بطل الدوري الكونغولي 2025:*
*التأسيس:*
• تأسس في أغسطس 2023 فقط.
• مملوك لرجل الأعمال فيديي تشيمنغا.
*عناصر التميّز:*
1. رؤية مؤسسية واضحة منذ اليوم الأول.
2. استثمار كبير في البنية التحتية (مركز تدريبي متكامل قيد الإنشاء).
3. إدارة احترافية وتمويل ذاتي دون اعتماد على الدولة.
4. كادر فني محترف ومدرب أجنبي بخطة فنية دقيقة.
5. دعم لوجستي وتقني متقدم.
*الإنجاز:*
• فاز بـ الدوري الكونغولي 2025 بعد أقل من عامين على تأسيسه.
• تأهل رسميًا إلى دوري أبطال أفريقيا 2025–2026.
*الدرس المستفاد:*
الإدارة المؤسسية + التمويل + الرؤية = نجاح سريع، حتى في بيئة أفريقية مليئة بالتحديات. في أقل من عامين، حقق Les Aigles du Congo ما كان مستحيلًا على أندية أقدم وأغنى
*رابعاً: مقارنة بالأندية السودانية*
• *نادي الهلال السوداني*:
• الإيرادات: 5 مليون دولار (2024).
• المصروفات: 5 مليون دولار.
• يعتمد بنسبة 65% على الهبات والتبرعات.
• 30% من الإيرادات تأتي من الحوافز القارية.
• 5% فقط من بيع اللاعبين.
• *نادي المريخ السوداني*:
• الإيرادات: 7 مليون دولار (2024).
• المصروفات: 7 مليون دولار.
• 55% من الإيرادات من التبرعات، 5% من الحوافز، و40% من بيع اللاعبين.
رغم توازن الإيرادات مع المصروفات، إلا أن الخلل يكمن في نوعية الإيرادات، حيث إن النسبة الأكبر تأتي من مصادر غير مستدامة، ما يجعل مستقبل الأندية معرضًا للانهيار المالي في أي لحظة. (الأرقام أعلاه عبارة عن بيانات مالية لم تنشر في ميزانيات نهائية مراجعة)
*خامساً: القيم السوقية لأبرز الأندية الإفريقية (2024)*
• صن داونز: 33.15 مليون يورو
• الأهلي المصري: 32.48 مليون يورو
• بيراميدز: 22.30 مليون يورو
• أورلاندو بيراتس: 20.20 مليون يورو
• الزمالك: 19.55 مليون يورو
• الترجي التونسي: 17.15 مليون يورو
• كايزر شيفز: 16.98 مليون يورو
• الرجاء المغربي: 14.18 مليون يورو
• الجيش الملكي المغربي: 13.96 مليون يورو
• الوداد المغربي: 12.93 مليون يورو
• الهلال السوداني: 8 مليون دولار
• المريخ السوداني: 7 مليون دولار
تشير التقارير إلى أن القيم السوقية للأندية السودانية *غير دقيقة* نتيجة غياب التوثيق الرسمي للعقود في قواعد البيانات الدولية مثل Transfermarkt.
*سادساً: التحديات الكبرى أمام الأندية السودانية*
1. غياب الموارد المالية المستدامة.
2. الاعتماد على التبرعات الشخصية وغير المضمونة.
3. انعدام الدعم الحكومي الفاعل والمباشر.
4. غياب الخطط والرؤى الاستراتيجية داخل الإدارات.
5. بيئة إدارية طاردة للاستثمار وغير مهنية.
6. عدم استقرار إداري وقانوني واضح.
7. قوانين رياضية قديمة لا تسمح بالتحوّل المؤسسي.
*سابعاً: الصعوبات الواقعية*
1. ضعف البيئة التشريعية المحفزة للاستثمار الرياضي.
2. عدم قدرة الإدارات التطوعية على إدارة المؤسسات باحتراف.
3. الوضع الاقتصادي المتدهور يعوق أي تمويل كبير.
4. غياب ثقة المجتمع الاستثماري في الأندية كجهات موثوقة.
*ثامناً: الفرص الممكنة*
و
1. إمكانية تعديل القوانين الرياضية لتسمح بتحوّل الأندية إلى شركات مساهمة.
2. وجود قاعدة جماهيرية ضخمة يمكن أن تسهم في دعم الاكتتاب العام.
3. فرصة إطلاق مشاريع استثمارية رياضية ناجحة (أكاديميات، متاجر، تطبيقات).
4. جاهزية القطاع الخاص (الاتصالات، المصارف، الشركات الكبرى) للدخول في مجال الرعاية.
5. إمكانية التعلم والاستفادة من التجارب الإفريقية الرائدة والناجحة.
*تاسعاً: آلية التنفيذ المقترحة*
1. إصدار تشريع يسمح بتحوّل الأندية إلى شركات مساهمة، مع وضع إطار قانوني يحمي الجمهور ويشجع المستثمر.
2. تكوين لجنة انتقال مؤقتة في كل نادٍ تضم خبراء قانونيين واقتصاديين وممثلين للجماهير.
3. إجراء تقييم مالي شامل للأصول والالتزامات والعقود، بالتعاون مع مكاتب مراجعة معتمدة.
4. إعداد نظام أساسي للشركة الجديدة يحدد توزيع الملكية والصلاحيات وآلية المحاسبة.
5. فتح الاكتتاب العام للمشجعين والمستثمرين عبر بورصة سوق الأوراق المالية الخرطوم أو صندوق استثمار رياضي.
6. إطلاق حملات توعوية إعلامية لشرح مشروع التحوّل وأهميته للمستقبل.
7. إشراك القطاع الخاص والبنوك في تأسيس صندوق وطني لدعم المشاريع الرياضية.
8. ربط الأندية بالاتحاد الأفريقي والفيفا للحصول على دعم فني وتشريعي واستثماري.
*عاشراً: توصيات استراتيجية*
• صياغة خارطة طريق واضحة لتحوّل الأندية الكبرى إلى شركات مساهمة رياضية.
• سن قانون رياضي جديد يعترف بالكيانات المؤسسية ويسمح بالتملك والاستثمار.
• تنظيم استفتاء داخل الأندية لجمع رأي الجماهير حول التحوّل المؤسسي.
• وضع سياسات مصرفية تشجع البنوك على تمويل المشاريع الرياضية.
• الاستفادة من الدعم الفني للاتحاد الإفريقي (CAF) والفيفا لتصميم أنظمة تشغيل احترافية.
*ختاما*
التحوّل المؤسسي للأندية السودانية *لم يعد ترفًا فكريًا*، بل هو ضرورة وجودية لضمان استمرارها وتطورها. فالأندية التي لا تتجه نحو الشركات المساهمة العامة محكومة بالجمود، والعجز المالي، والخروج من المنافسة القارية.
إن إنشاء بيئة رياضية مؤسسية مستدامة هو الطريق الوحيد لإعادة السودان إلى مصاف الكبار في القارة.
والله من وراء القصد
– عضو مجلس إدارة نادي الهلال – نائب الأمين العام
– عضو لجنة مشروع التحول لنادي الهلال
– الرئيس السابق لرابطة أندية الدرجة الممتازة بالسودان






