بفكِّ الحصار سقط الرهان عليها في جبال النوبة..
الحركة الشعبية.. خسائر بالجملة..
تهاوي تحالف ( الحلو – دقلو) ميدانياً..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
الحركة فقدت رصيدها الاجتماعي والتعاطف الشعبي وقيادات مؤثرة
المليشيا ارتكبت جرائم وانتهاكات عنصرية ضد النوبة
الفريق تاور: الجيش في موقع متقدّم وتوقّعات باستهداف كاودا
تشهد ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة تطوّراً ميدانياً بالغ الأهمية، يتمثّل في فك الحصار الذي فرضه تحالف (عبد العزيز الحلو – محمد حمدان دقلو) على مدينتي كادقلي والدلنج لأكثر من عامين، وفتح الطريق الرئيس الرابط بينهما، في حدث أنهى عزلة خانقة عاشها عشرات الآلاف من المواطنين، وأعاد شريان الحياة إلى واحدة من أكثر مناطق السودان معاناة، ويأتي هذا التطور في ظل تراجع ميداني واضح لقوات تحالف ( الحلو – دقلو)، بعد سلسلة هزائم متتالية تكبّدتها في محاور القتال المختلفة، لا سيما في المحور الجنوبي (الدلنج – كادقلي)، ما مكّن القوات المسلحة والقوات المساندة لها من بسط سيطرتها وتأمين الطريق، إيذاناً بمرحلة جديدة في معركة جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة.
سقوط العزلة
ومنذ الإعلان عن تحالف (الحلو – دقلو)، انتقلت الحرب إلى عمق إقليم جبال النوبة، محمّلةً معها الفوضى والدمار، غير أن هذا التحالف، الذي راهن على تغيير موازين القوى، بدأ يتهاوى ميدانياً مع كل مواجهة
فقد تكبّد التحالف هزائم ساحقة ومتلاحقة في عدد من المحاور، كان آخرها وأثقلها في المحور الجنوبي الدلنج – كادقلي، حيث لم تقتصر الخسارة على تراجع عسكري، بل امتدت لتكسر طوق الحصار المفروض على المدينتين، وتُنهي عزلة دامت أكثر من عامين، ويمثّل فتح الطريق بين كادقلي والدلنج ضربة استراتيجية للتحالف، إذ أعاد التواصل بين المدينتين الأكبر في الولاية، وفتح الباب أمام تحركات عسكرية أوسع، باتجاه مناطق كانت تُعدّ مغلقة، وعلى رأسها كاودا، المعقل الرمزي والسياسي للحركة الشعبية – شمال، ويرى مراقبون أن أي دخول للقوات المسلحة إلى كاودا يعني عملياً نهاية المشروع العسكري للحركة الشعبية في جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة لما تحمله كاودا من رمزية تاريخية واجتماعية باعتبارها القلب النابض للحركة ومركز ثقلها السياسي.
تضعضع بنية الحركة
وحسب مراقبون ، فقد دفع عبد العزيز الحلو ثمناً باهظاً لانضمامه إلى تحالف “تأسيس” ونقله الحرب إلى جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، فعلى الصعيد العسكري، تراجعت قواته في أكثر من محور، وخسر مساحات ونقاط نفوذ ظلت لسنوات خارج متناول القوات النظامية، أما سياسياً وتنظيمياً، فقد تلقّت الحركة الشعبية ضربات موجعات بانسحاب واستقالة عدد من قياداتها العسكرية والسياسية، الذين أعلنوا رفضهم الصريح للتحالف مع مليشيا الدعم السريع، معتبرين أن هذا التحالف يتناقض جذرياً مع مبادئ الحركة وتاريخها، ويضعها في خندق واحد مع ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم واسعة ضد المدنيين، ويستند الرافضون للتحالف إلى قناعة راسخة بأن مليشيا الدعم السريع تستهدف النسيج الاجتماعي في المناطق غير العربية، وتسعى لإحداث تغيير ديموغرافي واسع النطاق، عبر جلب قبائل من عرب الشتات إلى مناطق النزاع، بما فيها جبال النوبة، الأمر الذي شكّل صدمة أخلاقية وتنظيمية داخل صفوف الحركة.
سقوط التعاطف الشعبي
ربما كانت الخسارة الأشد قسوة على عبد العزيز الحلو هي خسارته للرصيد الاجتماعي والتعاطف الشعبي، الذي ظلّت الحركة الشعبية تتكئ عليه لسنوات، ذلك أن فرض الحصار على المواطنين في كادقلي والدلنج ومحيطهما، وتجويعهم لأكثر من عامين، شكّل جريمة أخلاقية وإنسانية، أطاحت بما تبقى من صورة حركة تدافع عن الهامش، وزاد من عمق هذه الخسارة إدخال عناصر مليشيا الدعم السريع إلى المنطقة، وهي مليشيا وُصفت بأنها تفتقد لأبسط مقومات الإنسانية، حيث مارست بحسب إفادات وشهادات محلية النهب، والسلب، والاغتصاب، وإهلاك الحرث والنسل، إلى جانب استخدام ألفاظ عنصرية بذيئة أساءت للنسيج الاجتماعي، وأشعلت موجة غضب عارمة وسط المجتمعات المحلية التي كانت يوماً ما تتعاطف مع مشروع الحركة الشعبية.
خسائر سياسية وعسكرية
ويرى الفريق شرطة حقوقي دكتور جلال تاور، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن الواقع يؤكد أن الحركة الشعبية مدّت يدها لمليشيا الدعم السريع ودخلت معها في شراكة واضحة، سواء عبر تحالف “تأسيس” الذي جرى الحديث عنه في كينيا، أو عبر الوجود المشترك في نيالا، وأكّد الفريق تاور في إفادته ل(الكرامة) أن جنوداً من الحركة الشعبية شاركوا في القتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع في مدينة الفاشر، وسقط عدد كبير منهم قتلى على أسوار المدينة، وهو ما أثار انتقادات واسعة من جهات سياسية ومجتمعية، إضافة إلى انشقاقات داخل الحركة نفسها، كان من أبرزها موقف وزير المالية السابق بولاية جنوب كردفان، رمضان حسن نمر، وأشار إلى ظهور كيانات منشقة، من بينها مجموعة تطلق على نفسها “الحركة الشعبية الأم” بقيادة الزين كيلا الزين، وسكرتارية جوزيف ألوكا، التي أكّدت وجود هذا التحالف ورفضته صراحة، وأوضح تاور أن عدداً من المعارك التي اندلعت بين الحركة الشعبية والدعم السريع نفسها، في مناطق مثل سلارا، وتندية، والنتل، والكُدُر، والمندل، جاءت نتيجة لتصرفات الدعم السريع ونهبهم لأبقار المواطنين، وهو ما رفضته بعض قيادات الحركة، وأكد تاور أن معارك الطريق إلى كادقلي في الدشول، والتقاطع، وبرنو، وأم عَدَارة، وغيرها، كانت بين تحالف الحركة الشعبية والدعم السريع من جهة، والقوات المسلحة والقوات المساندة لها من جهة أخرى، وانتهت جميعها تقريباً بهزائم قاسية لتحالف ( الحلو – دقلو)، وأكّد تاور أن أعداداً كبيرة من قوات الحركة الشعبية سلّمت سلاحها للقوات المسلحة في مناطق قرب تلودي، مثل أنقارتو وأم دولو ومفلوع، احتجاجاً على سياسات عبد العزيز الحلو وتحالفه مع مليشيا الدعم السريع، منوهاً إلى أن القوات المسلحة باتت اليوم في موقع متقدم وقوي، مع توقعات بتوجه جزء منها نحو كاودا بعد عمليات تنظيف واسعة حول كادقلي وتوسيع دائرة الأمان
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر، فإن التطوّرات العسكرية التي تشهدها ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، تكشف بجلاء أن تحالف (الحلو – دقلو) لم يكن سوى مغامرة خاسرة، انتهت بعزلة سياسية، وتراجع عسكري، وسقوط أخلاقي مدوٍ، فبدلاً من أن يشكّل التحالف رافعة لمشروع الحركة الشعبية، تحوّل إلى عبء ثقيل جرّ عليها غضب المجتمع، وانقسامات الداخل، وخسارة التعاطف الإقليمي والدولي، لقد أحدث فك الحصار عن مدينتي كادقلي والدلنج تحوّلاً في ميزان الشرعية، حيث استعاد المواطنون حقهم في الحياة والتنقل، بينما فقدت الحركة الشعبية ما تبقى من مبررات أخلاقية بعد أن حاصرت وجوّعت من قالت إنها تمثلهم، وفي ظل التقدم الميداني للقوات المسلحة، يبقى أمام قيادة الحركة الشعبية خياران لا ثالث لهما: إما مراجعة جذرية لمسارها والعودة إلى العمل السياسي وفق الاتفاقات القائمة، أو الاستمرار في تحالف خاسر يسرّع بنهاية نفوذها في جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة.






