آخر الإسبوع
تقرير تحليلي: علم الدين عمر
من التعامل مع الأزمة لإدارة التحوّل..
كسر الحصار..كادقلي تلاحم الجيش والشعب واستعادة الثقة..
جنيف على خط الأزمة..حراك كامل ومطلوبات الإسناد الدولي
الخرطوم تعود إلى الواجهة.. زيارات ميدانية وتطبيع الحياة
من الإنتصار إلى العودة..مسار الدولة بين الحرب والبناء
يأتي هذا التقرير في سياق اسبوع مفصلي يتصل بما سبقه ولا ينفصل عنه.. أسبوع تتراكم فيه مؤشرات استعادة الدولة لعافيتها العسكرية والمدنية معاً..من فك حصارٍ تاريخي عن كادقلي.. إلى تسارع الحراك الخارجي في جنيف.. مروراً بزخم الزيارات الميدانية في الخرطوم..وليس نهاية بالدلالة الرمزية لهبوط طائرة الخطوط الجوية السودانية في مطار الخرطوم بعد إنقطاع دام لثلاث سنوات.. مشهدٌ واحد تتعدد مساراته.. لكنه ينتهي إلى خلاصة واحدة.. الدولة تمضي بخطى متوازية في معركة الإمساك بزمام المبادرة..
(1)
كادقلي ..كسر الحصار
كان يوم الثلاثاء الثالث من يناير 2026م علامةً فارقة في تاريخ جنوب كردفان..حين ألتحمت تشكيلات متحرك الصياد بفرسان الفرقة (14) مشاة كادقلي.. لتكسر عزلة خانقة إستمرت قرابة الثلاث سنوات.. لم يكن الحدث عسكرياً محضاً بقدر ما كان مناورة سياسية وإجتماعية كثيفة الدلالة..خرجت فيها المدينة بأكملها لإستقبال قواتها.. في مشهد نادر عكس عمق العلاقة بين الجيش والمجتمع..
الأطفال والنساء ركضوا في الطرقات متحدين مسيرات المليشيا.. والزغاريد علت رغم محاولات إغتيال الفرح التي أرتقى فيها ثمانية شهداء..كان المشهد نقيضاً مباشراً لصورة المدن الواقعة تحت سيطرة المليشيا.. حيث يهرب الناس من الجغرافيا هرباً من الرعب..
الفرحة الهادرة لم تأت من فراغ.. ثلاث سنوات من المسغبة شُح فيها الغذاء والدواء..وأقتات الناس على الحشائش ولحاء الأشجار.. ومع ذلك صمدوا..وتمسّكوا بالأرض وبالهوية..
وفي بُعد سياسي بالغ الأهمية.. أسقط الحدث عملياً شائعات التسليم لتحالف (الحلو–دقلو)..بعد أن عبرت الإدارات الأهلية بوضوح عن ترحيبها بدخول القوات المسلحة في موقف رسخ وحدة الجبهة الداخلية وتماسكها الذي راهنت المليشيا عليه.. كما مثل فتح الطريق نهاية مرحلة الإغاثة الطارئة وبداية إختبار حقيقي للمنظمات الوطنية والدولية لتقديم العون المنظم بالتوازي مع توقعات خفض الأسعار مع تدفّق السلع التجارية..
(2)
جنيف على خط الأزمة..حراك كامل
بالتوازي مع التطوّر الميداني إنتقل الحراك إلى الساحة الخارجية بوصول رئيس الوزراء د. كامل إدريس إلى جنيف.. في محطة تحمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية دقيقة.. الزيارة لا تنفصل عن سياق الإسبوع الماضي..حيث تسعى الحكومة إلى تحويل المكاسب العسكرية إلى رافعة سياسية وإنسانية.. تُخاطب بها المجتمع الدولي بلغة الوقائع .
أجندة اللقاءات شملت مفوضية حقوق الإنسان..ومنظمة الصحة العالمية.. ومفوضية شؤون اللاجئين.. والمنظمة الدولية للهجرة.. ومجلس الكنائس العالمي.. الهدف المعلن هو شرح مضامين مبادرة حكومة الأمل للسلام.. وتحديد الدور المطلوب دولياً لدعمها..لا سيما في ملفات حقوق الإنسان.. وعودة النازحين واللاجئين.. وتأهيل المرافق الخدمية..
أهمية جنيف لا تكمن فقط في طبيعة المؤسسات.. بل في رمزية المكان وعلاقة إدريس السابقة به..ما يمنح الحراك بعداً إضافياً من المصداقية..الحكومة تسعى إلى تثبيت رواية جديدة لدولة تخوض حربها دفاعاً عن وحدتها.. وفي الوقت ذاته تفتح مساراً سياسياً وإنسانياً لإعادة الإعمار..وتجريم إنتهاكات المليشيا.. وتأمين حقوق المتضررين..
(3)
الإعلام الرسمي على طريق إعادة التأسيس
في سياق مسار استعادة الدولة لوظيفتها المدنية.. برزت جولات وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار خالد الإعيسر كعنصر مكمّل للحراك السياسي والميداني.. ومؤشر على شروع الحكومة في إعادة بناء الإعلام الرسمي على أسس مؤسسية ومهنية.. زيارة الإعيسر إلى ولاية نهر النيل قدّمت نموذجاً عملياً لهذا التوجّه.. حيث وقف ميدانياً على أداء وحيوية المؤسسات الإعلامية بالولاية.. من فضائية نهر النيل.. وإذاعة عطبرة، والإذاعة القومية، وهيئة البث.. وقناة الخرطوم الدولية..إضافة إلى الكوادر العاملة في قطاعي الإذاعة والتلفزيون على المستويين الولائي والإتحادي..
ما ميّز الزيارة لم يكن الطابع التفقّدي بل إبرازها لمنهج عمل متكامل إنتهجته حكومة ولاية نهر النيل..بقيادة الوالي الدكتور محمد البدوي عبد الماجد أبوقرون. وبمساندة وزير الثقافة والإعلام والإتصالات بالولاية مصطفى محمد عثمان الشريف..حيث تلاقت الإرادة السياسية مع الجهد المهني للوزارة لتتحول هذه المؤسسات إلى منصات فاعلة يُعتد بها في إدارة الرسالة الإعلامية خلال الحرب.
إعلان الإعيسر المضي قدماً نحو تأسيس المركز الإقليمي الثاني للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يحمل دلالات إستراتيجية تتجاوز البعد الإداري.. إذ يؤسس لشراكة مستدامة بين المركز والولايات..ويضع لبنة في مسار توزيع الثقل الإعلامي..وربط الخطاب القومي بالواقع المحلي..كما يعكس توجهاً واضحاً نحو إعلام رسمي مؤسسي.. قادر على مواكبة إستعادة الدولة لعافيتها.. وخوض معركتها المدنية بالتوازي مع المعركة العسكرية.. عبر خطاب مهني.. جامع ومسنود بالعمل الميداني.
(4)
الخرطوم تعود إلى الواجهة
داخلياً..شهدت الخرطوم حراكاً لافتاً عكس إنتقال مركز الثقل من مرحلة الصمود إلى مرحلة التطبيع..زيارات رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة..وأعضاء المجلس.. إلى جانب النشاط المكثف لرئيس الوزراء..أعادت رسم صورة العاصمة بوصفها فضاءً آمناً وقابلاً للحياة..
جولات الفريق أول ركن شمس الدين كباشي في أحياء النصر ومانديلا وأنغولا وغبوش.. وزيارات البرهان إلى مناطق جنوب الخرطوم.. ونشاط إدريس في السجانة والسوق العربي وسوبا..حملت رسالة مباشرة للمواطنين.. الدولة موجودة في الميدان.. وتراقب.. وتستمع.
هذا الحراك أسهم بصورة مباشرة في رفع الروح المعنوية.. وشجع نقاشاً واسعاً على منصات التواصل حول العودة الطوعية للخرطوم.. في المقابل..برزت مطالب مشروعة بضرورة الإسراع في إنعاش ملف الخدمات.. بوصفه الإختبار الحقيقي لمرحلة ما بعد الحرب.
(4)
من الإنتصار إلى العودة..وضوح مسار الدولة
يكتمل مشهد الأسبوع بالدلالة الرمزية لهبوط طائرة الخطوط الجوية السودانية في مطار الخرطوم..لأول مرة منذ إندلاع الحرب.. الحدث.. وإن بدأ فنياً.. إلا أنه سياسي بامتياز..إذ يعلن عودة المطار..وعودة السماء.. وعودة الدولة إلى مركزها الطبيعي.
مشهد تشكّل بصورة واضحة من كادقلي و الخرطوم..و جنيف حيث تتقاطع الخيوط لتشكل مساراً واحداً..معركة تُدار عسكرياً..ودولة تُستعاد مدنياً.. وانفتاح خارجي محسوب.. يهدف إلى تسريع برنامج العودة الشاملة.. وتهيئة البيئة لإعادة الإعمار.
الخلاصة
الإسبوع لم يكن مجرّد حصاد أخبار.. بل محطة إنتقالية في مسار الدولة السودانية.. تلاحم الجيش والشعب.. الحراك الخارجي المنظم..وعودة المؤسسات إلى العاصمة..جميعها مؤشرات على أن السودان يدخل مرحلة جديداة..تُدار فيها المعركة على أكثر من جبهة.. وبمنطق التوازي المتزامن..
(5)
مقارنة مع الأسبوع الماضي..من تثبيت الصمود إلى توسيع المبادرة
إذا كان الإسبوع الماضي قد إنشغل أساساً بتثبيت خطوط الصمود الوطني ومنع الإنكسار..فإن الأسبوع الحالي يمثل إنتقالاً نوعياً نحو توسيع دائرة المبادرة.. في تقرير الأسبوع السابق..برزت ثلاثة ملامح رئيسية.. إستمرار العمليات الدفاعية في عدد من المحاور..تماسك الجبهة الداخلية رغم الضغوط الاقتصادية.. وبدايات حذرة لعودة بعض المؤسسات إلى الخرطوم..
أما هذا الإسبوع فقد تجاوز تلك المرحلة إلى ما يمكن تسميته بـ”التحول الوظيفي” للدولة.
أولاً..على الصعيد العسكري..إنتقل الجيش من إدارة معركة الإستنزاف إلى تسجيل إختراقات إستراتيجية ذات أثر إنساني وسياسي مباشر..أبرزها فك حصار كادقلي.. الإسبوع الماضي كان عنوانه الإستقرار النسبي بينما يحمل هذا الأسبوع عنوان “كسر العزلة وأستعادة الجغرافيا الإجتماعية”.
ثانياً..في البعد السياسي.. إكتفى حراك الإسبوع الماضي بإشارات داخلية ورسائل طمأنة.. في حين شهد هذا الإسبوع إنتقالاً واثقاً إلى الخارج عبر جنيف..والقاهرة والسعودية مع طرح منظم لمبادرة السلام أمام مؤسسات دولية وإقليمية فاعلة بدأت ملامح نجاحها تتضح عبر خطاب الإيغاد المتحول عن مواقفها السابقة. الفارق الجوهري هنا أن الخطاب لم يعد دفاعياً.. بل بات يسعى إلى فرض أجندة الدولة على طاولة المجتمع الدولي..مستنداً إلى وقائع ميدانية متغيرة.
ثالثاً.. على مستوى الخرطوم.. كان الإسبوع السابق مرحلة إختبار للعودة الجزئية.. أما هذا الإسبوع فقد شهد تكريساً عملياً للتطبيع.. عبر الزيارات الميدانية المكثفة.. وعودة النشاط الرسمي..وصولاً إلى الحدث الرمزي الكبير بهبوط طائرة سودانير.. هذا التطوّر يشي بأن العاصمة أصبحت بالفعل منصة إنطلاق لمرحلة إعادة البناء..
بعبارة أخرى..يمكن القول إن الإسبوع الماضي كان إسبوع “إدارة الأزمة”.. بينما الإسبوع الحالي هو أسبوع “إدارة التحول”..حيث بدأت الدولة في تنسيق مساراتها العسكرية والسياسية والمدنية في آن واحد.
ماذا بعد هذا الأسبوع؟!!..
المؤشرات المتراكمة خلال هذا الإسبوع ترجح أن المرحلة المقبلة ستشهد تسارعاً في ثلاث دوائر متوازية.. أولها توسيع فك العزلة الجغرافية في الأقاليم عبر عمليات عسكرية ذات أثر إنساني مباشر..وثانيها تحويل الحراك الخارجي من مجرد شرح للمواقف إلى شراكات عملية في الإغاثة وإعادة الإعمار.. وثالثها إنتقال الخرطوم من حالة التعافي الأمني إلى إختبار الخدمات والإقتصاد والمعاش اليومي..
التحدّي الأكبر لن يكون في تحقيق إنتصارات جديدة.. بل في إدارة نتائج الإنتصار..ضبط الأسواق..تسريع عودة المؤسسات.. ومنع الفراغات الخدمية التي قد تُضعف الثقة المتجددة..وإذا نجحت الدولة في هذا الإمتحان.. فإن الأسابيع القادمة قد تمثل بداية التحول من منطق الحرب الطويلة إلى منطق الإستقرار المُتدرج حيث تُستثمر القوة العسكرية في بناء سلام واقعي لا ينهار عند أول إختبار… لننتقل بذلك لإسبوع آخر علي الساحة السودانية حافل بالتفاصيل والحراك.






