حديث السبت
يوسف عبد المنان:
كباشي.. إعلان حرب مفتوحة على الجنجويد من كردفان..
تبديد الشكوك وقرارات بإخلاء المدارس من الجيش..
ولاة جنوب كردفان وشمال دارفور وأستحقاق وسام الشجاعة..
بددت الزيارة التي قام بها الفريق شمس الدين كباشي، نائب القائد العام للقوات المسلحة، كثيراً من الشكوك التي انتابت أهل كردفان حول موقف المركز من تحرير الإقليم الجريح، وصمت الهامسين بأن العمليات العسكرية قد انتهت بتحرير الخرطوم والجزيرة، وأن كردفان ودارفور ستذهبان إلى جمهورية (العطاوة) بقيادة صاحب السمو الدقلاوي حميدتي.
ومنذ فجر الاثنين الماضي، سار ركب الفريق شمس الدين كباشي إلى الأبيض، عاصمة إقليم كردفان، التي يطلق عليها أهلها تدليلاً وحباً وشغفاً (أبو قُبَّه فحل الديوم) أي كبير المدن. ويطلقون على مدينتهم أيضاً (عروس الرمال) و(مديرية اللالوب)، وكل امرئٍ بما يحب معجب.
ومنذ التغيير الذي أطاح بحكومة الرئيس السابق، أمسكت الحكومة المركزية رجلها عن زيارات الولايات، وأمسكت يدها عن الصرف على مشروعات التنمية حتى داهمتها نازلة الحرب. ولم يطُف الرئيس البرهان بكردفان إلا في زيارة لأم روابة بعد تحريرها، وزيارة قبل الحرب لمحلية أم دم حاج أحمد وبارا. غير أن شمس الدين كباشي كان قد زار جنوب كردفان قبل الحرب بأيام، وحينها وضع حروفاً في سطور الأزمة، وكشف عمّا يجري في دهاليز الصمت، حينما كان حميدتي يخطط لابتلاع الدولة.
الآن جاء شمس الدين كباشي بعد فترة جمود للعمليات العسكرية، إلا من بعض عمليات الكرّ والفرّ في ثلاثة محاور رئيسية وأخرى فرعية:
أولها محور الأبيض – أبو قعُود – الخوي – النهود – الفاشر، وهو المحور الذي تتمركز فيه المليشيا بكثافة كبيرة للحيلولة دون تقدم القوات غرباً باتجاه الفاشر.
المحور الثاني هو محور بارا – جبرة الشيخ – أم كريدم – أم سيالة، وهو المحور المرتبط بأمن العاصمة الخرطوم، حيث يمكّن وجود المليشيا في جبرة الشيخ (تبعد عن أم درمان 200 كلم) وفي مناطق أم سيالة والكويمات وشق الصهب من تهديد النيل الأبيض.
أما المحور الثالث فهو الأبيض – الدبيبات – الدلنج – أبو زيد – الفولة، ويقود هذا المحور مباشرة إلى الضعين حاضرة ولاية شرق دارفور، التي يعتقد البعض أنها تمثل الحاضنة الأولى للجنجويد. وتكمن أهمية هذا المحور في فك الحصار عن جبال النوبة ومناطق إنتاج البترول في هجليج وبليلة وحقول البرصاية وزرقا أم جديد.
اختار الكباشي في اليومين الأول والثاني للزيارة التدقيق في الموقف العسكري مع قادة متحركات القوات المسلحة، وقائد الفرقة الخامسة مشاة اللواء إبراهيم قنديل، الذي عُيِّن مؤخراً لقيادة أهم فرقة في الجيش السوداني على الإطلاق، وأوسعها انتشاراً وأكثرها تمرساً في القتال منذ تمرد توريت عام 1955، أي قبل أن ينال السودان استقلاله.
الكباشي له رؤية يختلف الناس حولها أو يتفقون، وهي أن القوات المسلحة هي الأصل، وبقية القوات المساندة تأتمر بأمرها، وكل له مشروعه، ولكن القوات المسلحة هي المشروع الوطني الكبير. وما قرار القائد العام الأخير بشأن ضم كل القوات المقاتلة إلى مظلة القوات المسلحة إلا تطبيق لهذه التوجهات التي تحول دون ميلاد حميدتي آخر وإنتاج دعم سريع جديد ليجوس في البلاد فساداً.
وحينما اطمأن الكباشي إلى تدبير الجيش وجاهزيته لخوض غمار معارك ما تبقى من الخريف، ومع دخول فصل الدرت، أي موعد تذوّق أهل كردفان ثمرات حصاد زراعتهم، إلا أن الأيادي المعروقة التي (تزرع وتحش) وتجنكب الفول والعيش البشيل الكرميش، أصبحت ضحايا فرض عليها التمرد نزوحاً قسرياً، يتقاسمون ظلال أشجار النيم واللالوب في طرقات مدينة الأبيض التي لم تضِق بأهلها. وبهذا خرجت كردفان من دائرة الإنتاج، كما أخرج التمرد دارفور.
في الصمت، وبعيداً عن الأضواء، عقد الفريق شمس الدين كباشي اجتماعاته العسكرية، واطمأن إلى موقف الفرقة الخامسة التي تقود عمليات تحرير كردفان ودارفور حتى الفاشر، لتؤول بها القيادة إلى الفرقة السادسة. وبذلك نجح الفريق شمس الدين كباشي في ترتيب أوضاع القوات المنتشرة في الأبيض، التي ضاق الأهالي بممارسات بعضها.
2
خرج شمس الدين كباشي يوم الأربعاء من الاجتماعات التي تمت إحاطتها بسرية شديدة، ودون خلع الرداء العسكري، إلى حكومتي شمال وغرب كردفان. ومن خلال اجتماعات مفتوحة وخطابات مباشرة ورسائل، أعاد إلى الأذهان تلك الرسائل التي بعث بها من كادقلي والدلنج وكالوقي إلى الرأي العام السوداني قبل نشوب الحرب بقليل، والتي قالت بوضوح ومن غير لجلجة: “لا بديل للقوات المسلحة إلا القوات المسلحة”.
حينها كان المبعوث الأممي فولكر، وقوى الحرية والتغيير، قد أبرموا ليلاً اتفاقاً في ظاهره سياسي، وفي جوهره يستهدف إحلال مليشيات أم باغة وأنبش والجنجويد مكان القوات المسلحة، عبر إرغامها بالتخويف من التظاهرات الشعبية والقوة الرادعة لحميدتي. لكن كباشي قالها بصوت عالٍ جعل كثيراً من المترددين والذين أصابهم الخوف والجزع يبدون قدراً من التماسك.
واليوم، بعد أن ظن البعض أن الجنجويد لا غالب لهم إثر سقوط النهود والخوي والدبيبات، وبعد أن انتفخت أوداجهم غروراً وصلفاً، يعلن الكباشي بثقة المحارب القديم والمخطط العسكري والرجل الشجاع بدء تنفيذ مخطط الجيش لكسر عنق المليشيا من جبل مويه، الذي تدفقت منه الانتصارات حتى غمرت المليشيا التي كانت تتخندق في كافوري والكلاكلة وتقاتل من وراء جدر محصنة، لكن اقتلعها الفرسان بالإصرار والثبات.
في تلك الساعات، دُفن في تراب الخرطوم أشرف الشهداء. وعندما نقول القوات المسلحة نعني كل التشكيلات: المشتركة، البراؤون، جهاز الأمن، الشرطة، والمجاهدين المخلصين. واليوم يعلن شمس الدين كباشي أهداف القوات المسلحة، ويقول في رسالة بليغة: “اشتقنا لليمون بارا”، حيث ينتظر أن تخوض القوات المسلحة بعتادها الجديد، وبما تملك مما لا يعرفه الجنجويد من قبل، معركة لن يخرجوا منها منسحبين إلى الغرب كما انسحبوا عبر جسر جبل أولياء.
خاطب الكباشي الأهالي وقد تكشفت مواهبه وثقافته الشعبية وعمق اطلاعه حتى على التراث الغنائي لدار حمر والبديرية والنوبة والحوازمة. وفي حديثه الذي سارت به الركبان وبثته الفضائيات في أركان الدنيا، أعلن الحرب على المليشيا في الفضاء المفتوح، وقال كلمته للتاريخ: إدارة معركة لتحرير كردفان ودارفور من التمرد الذي ظن أنه صار دولة بتشكيل حكومة، أبلغ وصف لها قاله مني أركو مناوي: “حكومة تيمم، إذا حضر المال بطل التيمم، وما الماء إلا وصول متحركات التحرير إلى الفاشر”.
الكباشي، الذي يُشاع ظلماً وتغبيشاً لوعي الناس حوله، وعبر استثمار في خلافات مصنوعة، عقد اجتماعات مطولة مع القوات المشتركة في الأبيض. بل هو من قدم الدعم للقوات المشتركة التي هي من الجيش وإليه، وتقاتل من أجل السودان. ويحظى قادة المشتركة عند الرجل بتقدير كبير جداً.
بل إن الكباشي كان مفتاح الأزمة التي أطلت مع التشكيل الوزاري الأخير، وهو من جمع جبريل، مناوي، عبد الله يحيى، البرهان، ياسر العطا، وإبراهيم جابر في هجعة ليالي بورتسودان الدافئة، وصب الماء البارد على الحديد الساخن، فحدث الإفراج الذي تمناه كل مخلص.
وقبل أن يعود الكباشي إلى الخرطوم بدأت فلول الجنجويد بالهرب من ميدان المعركة، خاصة على طريق الأبيض – الدلنج، خوفاً من مصير ينتظرهم.
في الأبيض، اتخذ الفريق شمس الدين كباشي قرارات هي ذات القرارات التي اتخذها بخروج القوات المسلحة من الأحياء السكنية ودور التعليم والوحدات الإدارية، ورفع التكليف عنها نهائياً بشأن حفظ أمن المدن وإيلولته للشرطة. ورغم أن البعض في الخرطوم أبدى تحفظه على توجيهات شمس في هذا الصدد، إلا أن القرار ثبت الآن صوابه.
وفي الأبيض، يمثل خروج الجيش من 28 مدرسة بالمدينة وتقدمه نحو أهدافه العسكرية خطوة هامة لتطبيع الحياة المدنية التي ينادي بها الشباب منذ سنوات. ولكن من يستطيع إخراج النازحين من المؤسسات الحكومية في الأبيض التي فاضت بالقادمين من النهود والدبيبات والفولة والدلنج؟ وقد تفشى وسط النازحين مرض العشى الليلي بسبب نقص الغذاء والجوع الذي يحاصر القرى التي لم يتبقَّ فيها إلا القليل من السكان.
3
إذا كان الفريق الكباشي قد أطلق يد القوات المسلحة للتحرك نحو مقاصدها لتحرير مدن كردفان، فإن المليشيا موعودة ببقية من خريف غضب البرهان، ومطر الدرت الذي تصاحبه غالباً الزوابع الرعدية والعواصف.
ولكن إذا فُك الحصار عن فاشر السلطان، فإن كل القوات التي صمدت وقاتلت بشرف وشجاعة تستحق الترقيات والتحفيز المعنوي. كما يستحق والياً مثل محمد الحافظ بخيت، والي شمال دارفور، وسام الشجاعة. فهو الذي صمد في وجه المليشيات والحرب والحصار، وظل يرتدي الكاكي، ينام في خنادق المقاتلين، ورفض الخروج من الفاشر، لم يهرب، ولم ترعبه أصوات المدافع ولا سقوط الدانات ولا مسيّرات الإمارات.
محمد الحافظ بخيت، ضابط إداري له خبرة طويلة في الحكم المحلي. ومنذ تخرجه من الأكاديمية الإدارية، ضابطاً صغيراً، تنقل بين سرف عمرة، نيالا، كاس، برام، شعيرية. وفي كل هذه المحطات، ظل صابراً على التمرد الدارفوري، محافظاً على رباطة جأشه. وتنقل بين السريف بني حسين وكبكابية، وصعد إلى منصب أمين عام حكومة شمال دارفور. رجل بتلك السيرة جدير بمنصب الوالي، ولم يجد البرهان ومناوي من هو أهل لهذا الموقع سواه. وقد أثبت كفاءته وشجاعته، وهو يواجه الموت بالثبات، والرصاص بالعزيمة، والجوع بالتوكل على الله، لم يهرب أو يخرج في جنح الظلام من الفاشر حتى اليوم.
مثل هذا الوالي يستحق التكريم والترفيع، لأنه من أهل العزائم الذين يعفون عند المغنم. ومثله في كادقلي الوالي عبد الكريم، الذي صبر وصمد لعامين وستة أشهر في وجه الحصار والهجمات المتتالية للحركة الشعبية. وظل مرابطاً في كادقلي مثل كافي طيارة البدين، ومثل اللواء فيصل السائر، الذي ظل يقود متحركات الجيش بنفسه، لا يهاب الموت إن هو أقبل.
ولم تتبقَّ إلا أيام معدودة – بإذن الله – وتبلغ القوات المتجهة إلى الدلنج مقاصدها، وتقضي على فلول المليشيا التي جمعت كل قوتها في الدبيبات. ولكن أولاد شمس الدين كباشي قادرون على فك الحصار عن جبال النوبة، بعد أن فك البرهان اللجام الأسبوع الماضي.





