حديث السبت يوسف عبدالمنان: لماذا أمطرت المليشيا الخرطوم وعطبرة بها ليلة الجمعة؟!! تفاصيل “ليلة المسيرات” الطويلة..

حديث السبت
يوسف عبدالمنان:

لماذا أمطرت المليشيا الخرطوم وعطبرة بها ليلة الجمعة؟!!

تفاصيل “ليلة المسيرات” الطويلة..

نضوب مناجم التجنيد وخسائر المعارك الأخيرة دفعت المليشيا للاستعانة بالمرتزقة

المضادات الأرضية في أم درمان وعطبرة عملت بكفاءةٍ عالية ودقةٍ متناهية

# صمودٌ “خاينه خايفه تاكل متعايفه وتقعد متسايفه”!

الشعبية أطلقت من أراضي دولة الجنوب — المخطوفة — مسيّراتٍ أخرى

يوسف عبدالمنان

(1)

منذ الساعة السابعة مساء الخميس، رصدت عيون المخابرات السودانية من داخل مدينة نيالا حركةَ الخبراء الكولومبيين والليبيين المختصين بإطلاق المسيّرات من منصّةٍ بالقرب من الجبل الواقع شرق المدينة، وهي منطقة كانت مأهولة بالسكان، لكنها أُفرِغت بسبب وقوعها قرب المطار.

بعد نصف ساعة، أُطلِقت عشرون مسيّرة صينية الصنع — من دولةٍ كانت حليفًا سابقًا لحكومة السودان وأكبرَ مستثمرٍ في بترول البلاد — لتبدأ فصول “ليلة المسيرات الطويلة”.

وفي حوالي الساعة الثانية صباحًا، طرقت مسيّراتٌ إماراتية أبوابَ أم درمان وعطبرة والخرطوم، كما أطلقت الحركة الشعبية من أراضي دولة جنوب السودان — المخطوفة لصالح المليشيا — مسيّراتٍ أخرى باتجاه مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق.

تصدّت المضادات الأرضية في أم درمان وعطبرة بكفاءةٍ عالية ودقةٍ متناهية، وأسقطت أغلبها، باستثناء واحدة أحدثت دوياً أيقظ معظم سكان الثورات.

جاءت رسالة المليشيا بعد ساعاتٍ فقط من بيان قيادة “الدعم السريع” الذي أعلن موافقته على الهدنة المقترَحة من الولايات المتحدة الأمريكية. لكن الحكومة السودانية — على لسان وزير الدفاع — أعلنت الاستنفار لردّ العدوان بعد أحداث الفاشر وبارا، حيث سالت دماء السودانيين، وساءت المليشيا رؤيةَ رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان يتجوّل في شوارع الخرطوم جنوب الكلاكلة، يلتقي الناس بعفويةٍ ومن غير تحشيدٍ أو ميعاد، بينما يهتف المواطنون: “الفاشر جوه! الفاشر جوه!”

تلك كانت مشاعرَ شعبٍ جُرح عميقًا في كبده بأحداث الفاشر، ورافضٍ لأي تسويةٍ في هذا التوقيت مهما كانت عدالتها، لأن ما نُهب واغتُصب من هذا الشعب لا يُستردّ بالبيانات.

وقد نقل الإعلام التفاف الجماهير حول البرهان كقائدٍ عسكري وسياسي معًا، في وقتٍ لا يستطيع فيه حميدتي مجرد الظهور في مناسبة “طهور” وسط عشيرته أولاد منصور في منطقة أم القرى — التي اغتصبتها عشيرته آل دقلو من دمنقاوية الفور بجبل مرة بقوة السلاح والنفوذ المالي — كما لا يجرؤ شقيقه عبد الرحيم دقلو على التجوّل في سوق نيالا خوفًا من غضب المليشيا قبل عامة الناس.

ساءت حميدتي الصور التي بثّت للبرهان وهو يتجول وسط الناس بحرية، فكانت “المسيرات” تعبيرًا عن الخنق والضيق والغيرة، ورسالةً احتجاجية على اجتماع مجلس الأمن والدفاع بالخرطوم يوم الثلاثاء الماضي، والذي رفض فيه المجلسُ الهدنةَ قبل تحرير كردفان ودارفور.

السبب الثالث وراء “ليلة المسيرات الطويلة” يتمثل في الخسائر الفادحة التي تكبّدتها المليشيا على يد طيران الجيش الجديد، الذي دمّر متحرّكًا قادمًا من ليبيا يقوده التاج التجاني، وقضت الطائرات على الأسلحة التي دفع بها خليفة حفتر لقتل سكان الأبيض.

وقد وُجّهت ضربة موجعة لقلب المليشيا قُتل فيها عددٌ كبير من قادتها، من بينهم الوالي الأسبق لغرب دارفور أبو القاسم إمام، وضابط المخابرات الكبير “السليك” في زالنجي. وفي أبوزبد بغرب كردفان، ضُرب تجمعٌ كبير للمليشيا كان متوجهاً نحو الأبيض، فهرعت عناصرها إلى تسجيلاتٍ تتهم فيها دولتين بتنفيذ الضربات، مدّعية أن الطيران التركي انطلق من الأراضي المصرية!

لكن، هل حققت مسيّرات ليلة الجمعة أهدافها حقًا؟

(2)

إذا كانت المليشيا تظنّ أن الضغط الدولي، والهجوم عبر المسيّرات، والتمدد في كردفان أو خنق الأبيض، يمكن أن يُرغم الحكومة على تقديم تنازلاتٍ لصالح “الهدنة”، فإنها تجهل أبجديات علم الحرب.

فالهدنة ووقف إطلاق النار — المؤقت أو الدائم — لكلٍ منهما تعريفه وتدابيره في العلوم العسكرية، لكن أين لعامل الطاحونة أو تاجر الحمير أن يدرك ذلك العلم الذي فُتحت له المعاهد والكليات؟!

وأين لمشيخة آل زايد أن تعي أن هذا الشعب عنيد، لا يقبل الضيم، ولا ترهبه المسيّرات؟!
هذا الشعب بقايا أبطال المهدية وحروب الطليان والجنوب ودارفور، لن يركع لمسيّراتٍ إماراتية تبعثها الأيادي المرتعشة في هجعة الليل.

بل إن مثل هذه الهجمات لن تزيد السودانيين إلا صلابة، فالمعركة القادمة باتت حربَ وجودٍ لا حربَ نفوذ، وحروب الوجود تختلف تمامًا عن غيرها.

وهنا ينهض السؤال الكبير: ماذا تريد الإمارات من السودان؟ وماذا تريد المليشيا من حكومة أبوظبي؟

أولاً، تحرّك الإمارات مخاوفُها القديمة من التيار الإسلامي — الحركي والسلفي والصوفي — إذ ترى فيه خطرًا على نظامها، وتعتبر أي حكومة لا تدين لها بالولاء الكامل تهديدًا وجوديًا. ومنذ أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، استخدم العقلُ الأمريكي الممالكَ الخليجية لمحاربة الإسلام، وتصدّرت أبوظبي هذا الدور بوعيٍ أو بغيره.

تخشى الإمارات أيَّ وجودٍ علني للتيارات الإسلامية في ليبيا أو السودان أو مصر أو الجزائر، لأنها تدرك أن هذه الحركات تُوقظ الوعي الشعبي بالحقوق الاجتماعية والسياسية، في مجتمعاتٍ ما زالت تعيش في كنف سلطاني مغلق.

أما إذا وصلت أي حركةٍ إسلامية إلى السلطة، فذلك — في نظرهم — يوقظ شعور التحرر والانعتاق من “رعاة البقر” في أمريكا و“رعاة النوق” في الخليج.

ثانيًا، المصالح الاقتصادية: تسعى الإمارات لبناء إمبراطورية مالية عبر السيطرة على الموانئ على البحر الأحمر، وشراء الأراضي الزراعية في الشمال، والاستثمار في الذهب. وهي تدرك أن البترول مورد إلى نضوب، لذا بدأت في التوغل الاقتصادي والاجتماعي في السودان منذ سنوات طويلة.

أما ماذا تريد المليشيا من الإمارات؟
فالإجابة لا تحتاج إلى عناء: الكلب يلهث وراء من يُطعمه.
جميع فصائل المعارضة — باستثناء الحزب الشيوعي — باتت مخبرين يتسقطون الأخبار ويجمّلون وجه آل نهيان مقابل مصاريف الجيوب، وهم يحلمون بالسلطة إن انتصرت المليشيا على الجيش.

(3)

لكن، هل تستطيع مليشيا الدعم السريع، بسلاح المسيرات والدبابات المصفّحة، تحقيق تفوقٍ على الشعب السوداني وكسر شوكته؟
هل يمكن أن تعود لاحتلال الجزيرة والخرطوم والشمالية ونهر النيل وبورتسودان كما يحلم بعض الواهمين؟

مشروع الدعم السريع في جوهره مشروعٌ انفصاليٌّ عنصري، بدأ بفكرة “دولة العطاوة”، ثم “مشروع الجُنَيديّين”، وأخيرًا “مشروع التأسيس”.

وخلال السنوات الماضية، فقدت المليشيا قوتها الصلبة من ثلاث قبائل رئيسية في كردفان ودارفور: الرزيقات، الحوازمة، والنفير.
ومع نضوب مناجم التجنيد في الضعين والمجلد وكتم وغرير وهبيلا، ورفض الشباب الالتحاق بالقتال، لجأ الكفيل الإماراتي إلى إنفاق أكثر من 200 مليار دولار في تجنيد المرتزقة من بلدان شتى لتعويض الفاقد البشري.

استقدمت الإمارات نحو 500 ألف مقاتل من جنوب السودان — أغلبهم من النوير — من قوات فاولينو مانيب والجيش الأبيض، ووظّفتهم في المدفعية والقنص، فهلك نصفهم في معارك الخرطوم وسلاح المدرعات.

كما جُنّد الآلاف من إفريقيا الوسطى والنيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي مناطق تضم عرب الشتات من الرزيقات والمسيرية، ممن رُوّج لهم بحلم “دولة العطاوة” حول النيل، بعد طرد سكانه الأصليين.

أما المرتزقة القادمون من ليبيا، فاستُجلبوا برواتب تصل إلى خمسة آلاف دولار للضباط ومهندسي المسيرات، وبعضهم من قوات خليفة حفتر — صنيعة الإمارات — بعد أن نشطت تجارة “القتال بالأجرة” بين مسرّحي الجيش الليبي السابق.

لقد أعاد حكّام أبوظبي إنتاج تجربة القذافي المخزية في استئجار المرتزقة، فاشتروا مقاتلين من كولومبيا وإثيوبيا وحتى “أرض الصومال”، لكن تلك الوصفة الفاشلة لم تُثمر سوى عن خرابٍ آخر.

أما السودان، فشعبه أوعى من أن يُستَعمَر من جديد بأموال الخليج أو طائراته المسيرة.
وإن تخلّى البرهان عن أحلام الاندغام في المشروع الأمريكي الجديد، وعاد إلى تحالفاته التاريخية مع روسيا والصين وتركيا وقطر، فبوسعه أن يُنهي التمرّد في شهور معدودة، ويفشل المخطط الذاهب نحو إقامة دولتين بنظامين مختلفين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top