هناك فرق مني أبوزيد هذه الأرض لنا..!

هناك فرق
مني أبوزيد
هذه الأرض لنا..!

*”المدن لا تموت حين تُحتل، بل حين يستسلم أهلها، لذا فهي تعود في كل مرة، لأنها تعرف أن قلوبهم لم تسلّم الراية”.!*

في هذا السودان، وفي ظل هذه الحرب الغاشمة، يبدو سقوط المدن أشبه بامتحان مفتوح للروح أكثر منه واقعة عسكرية. المدن هنا ليست مربعات على خريطة، بل مزاج عام وذاكرة مشتركة وجرح شخصي لكل من طاف في طرقاتها..!

ولهذا، حين تسقط مدينة، لا يسقط معها الحجر وحده، بل تسقط طبقات من الطمأنينة، ويُعاد اختبار قدرة الناس على التماسك. ثم – كأن البلاد تُحب أن تذكّر أهلها بحقيقتهم – تبدأ المدن نفسها في النهوض، فتنهض معها القلوب التي ظنّت أنها قد تعبت من محاولة النهوض..!

لا نحتاج إلى تفاصيل كثيرة كي نفهم هذه الدورة الخفية بين السقوط والتحرير. يكفي أن نذكر الأبيض، الخرطوم، سنار، وجوبا، وملكال، وواو، ومدناً في دارفور مثل تلس والطينة وقريضة، ومدناً في الجزيرة مثل ود مدني، وفي كردفان كأم روابة وبارا وأم بادر، والعاصمة الخرطوم نفسها، ومناطق في الفاشر، وقرى في شرق النيل..!

هذه الأمكنة لا تحتاج تواريخ. يكفي أن نذكر أسماءها، فتنهض المعاني وحدها، معنى أن المدن قد تُكسر لكنها لا تُهزم، وأن أهلها قد يتعبون لكنهم لا يستلمون..!

في كل مرة تسقط فيها مدينة في هذه الحرب، يبدو الأمر كما لو أن بلادنا تقول لنا “امتحان جديد يا هؤلاء.. فهل أنتم مستعدون”؟. والسودانيون الذين جرّبتهم الحروب والمجاعات والفيضانات يعرفون أن الامتحان ليس في القدرة على البقاء فحسب، بل في القدرة على مواصلة الأمل. والفرق كبير، أن تبقى يعني أن تنجو، لكن أن تستمسك بالأمل يعني أن تعيش..!

لهذا حين تنهض مدينة، فإنها لا تنهض بقرارات عسكرية بقدر ما تنهض بقرارات داخلية، قرار أم تفتح دكانها في سوق محروق، قرار أب يعود إلى بيته رغم الخطر، قرار شاب يزرع أمام منزله شجرة يائسة من المطر لكنه يزرعها. المدن التي سقطت وتحررت تستعيد عافيتها من هذه التفاصيل الصغيرة، ومن هذا الإيمان الهادئ بأن الحياة تستحق عناء التمسّك بها..!

والغريب، أو ربما الجميل، أن المدن التي ذاقت السقوط تصبح أشد صلابة من المدن التي لم تجرّب شيئاً. الأبيض تعرف ذلك، والخرطوم تعرفه، ومدني تعرفه، والفاشر تدرّسه للبلد كله. المدن التي سقطت مرة تصبح خبيرة في قراءة الوجوه، تعرف الوجع حين تراه، وتعرف العزاء حين تفقده، وتعرف أن الناس هم الذين يحرّرون المدينة، وليس الجيوش وحدها. الجيوش تستعيد الأرض، لكن الناس وحدهم يستعيدون الحياة..!

اليوم، ونحن نعيش فصلاً جديداً من تاريخ طويل يشبه امتحاناً لا ينتهي، نعيد اكتشاف بديهتنا القديمة، أن السودان بلد لا يعرف السقوط النهائي. المدن قد تتعب، تبهت، تُضمِّد نفسها بالنسيان، لكنها – في اللحظة الحاسمة – تتذكر رسالتها: “أن تقف”. والسودانيون – مهما اختلفوا وتعبوا وتشردوا – يتذكرون الرسالة ذاتها..!

ربما لهذا السبب بالذات، نحزن حين تسقط مدينة، لكننا لا نيأس. وربما لهذا السبب أيضاً، نفرح حين تتحرر مدينة، لكننا لا نندهش. فالسودان علمنا أن كل مدينة تسقط ليست نهاية، وكل مدينة تنهض ليست معجزة. إنها فقط دورة الحروب في بلد صبور، يعرف أن الجراح قد تتسع، لكن القلوب أوسع..!

في النهاية، المدن تشبه أهلها، إن كانوا بخير، كانت بخير، وإن نهضوا، نهضت. المجد في الأوطان لا يُقاس بعدد السقوطات، بل بعدد القيامات. وهذا بلدٌ يقوم دائماً، مهما طال الليل، مهما ثقل الحِمل، ومهما كثرت الخسائر. هذا البلد الذي يعرف الطريق إلى النهوض، لا يخاف من السقوط، هذه الأرض لنا!.

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top