ضبابية المعرفة..حين لا يُراد للجمهور أن يعرف الحقيقة أصلاً أحمد عبدالصمد

ضبابية المعرفة..حين لا يُراد للجمهور أن يعرف الحقيقة أصلاً

أحمد عبدالصمد

في الحروب الحديثة، لم تعد المعركة تُخاض بالسلاح وحده، بل بالعقل أولا.. لم يعد الهدف إقناع الشعوب بأن الكذب حقيقة، بل تدمير قدرتها على الإيمان بوجود الحقيقة أصلا. تلك هي أخطر أدوات (حرب الإدراك) : استراتيجية ضبابية المعرفة.
هذه الاستراتيجية لا تقوم على اختراع رواية واحدة كاذبة، بل على إنتاج كم هائل من الروايات المتناقضة، الجزئية، الملتبسة، حتى يُصاب المتلقي بالإرهاق، ويفقد ثقته في أي سردية، فيستسلم في النهاية لأبسط رواية وأكثرها تنظيما… لا لأنها صحيحة، بل لأنها مريحة.
كيف تُدار ضبابية المعرفة إعلاميا؟
هذه التقنية تقوم على خمسة أدوات رئيسية:
١- الانتقاء المتحيز للمعلومات
لا يُنشر كل ما يحدث، بل فقط ما يخدم اتجاها معينا، بينما تُهمش الوقائع التي تُربك السردية المرغوبة.
٢- تفكيك السياق الزمني للأحداث
يُعرض الحدث معزولا عن جذوره وأسبابه، فيبدو وكأنه طارئ أو عشوائي، بلا فاعل واضح.
٣- تعدد الروايات المصطنعة
يتم طرح روايات بديلة متناقضة ظاهريا، لكن نتيجتها واحدة: التشكيك في كل شيء.
٤- إعادة تدوير المادة الملتبسة
مقاطع قديمة، صور خارج سياقها، أو أخبار بلا تثبيت، تُستخدم لإرباك الوعي العام.
٥- اللغة الرمادية المضللة
لا إدانة واضحة، ولا توصيف دقيق، بل مصطلحات فضفاضة تذيب المسؤولية في الهواء.

🟫 الإعلام الإقليمي والساحة السودانية: تطبيق حي للاستراتيجية
⬅️ في تغطية الشأن السوداني، برز هذا النمط بوضوح في أداء عدد من المنصات الإعلامية الإقليمية، وعلى رأسها المنصات المرتبطة بالمحور الإماراتي، من خلال:

– تقديم الصراع كفوضى بلا أطراف واضحة، بدل توصيفه كعدوان مليشياوي على الدولة.
– تضخيم خطاب (الطرفين المتساويين) في مواجهة جيش نظامي يدافع عن كيان الدولة.
– تغييب متكرر لوقائع الانتهاكات الموثقة أو تمريرها بلغة تلطيفية تربك الرأي العام.
– إنتاج سرديات بديلة عن أسباب الحرب تُفرغها من بعدها السياسي والأمني الحقيقي.
والنتيجة ليست (تضليل مباشر) بقدر ما هي تفكيك منهجي لقدرة المواطن على التمييز.
⬅️ من الضباب إلى العجز: ماذا يحدث للجمهور؟
حين يُغرق الإنسان في الروايات المتناقضة:
– يُصاب بإرهاق معرفي.
– يفقد ثقته في الإعلام ككل.
– يدخل في حالة عجز عن التعلم والتحليل.
– وينتهي إلى تبني أبسط رواية منتشرة، لا لأنها صحيحة، بل لأنها الأقل إرباكا.
⬅️ وهنا تتحول ضبابية المعرفة من أداة إعلامية إلى سلاح نفسي استراتيجي.
🟫 لماذا يُستهدف الوعي السوداني تحديدا؟
– لأن الوعي هو خط الدفاع الأخير:
حين يفهم الشعب طبيعة معركته، يصعب كسره.
وحين تُشوش صورته عن عدوه، يسهل اختراقه.
وضبابية المعرفة لا تهدف إلى جعل السودانيين يصدقون رواية معينة، بل إلى جعلهم يشكون في كل الروايات، بما فيها روايتهم الوطنية.
⬅️ كيف تُواجه هذه الحرب؟
المواجهة لا تكون بالخطابة، بل بخمس أدوات مهنية واضحة:
١- التوثيق الصارم لكل حدث (زمانا ومكانا ومصدرا).
٢- بناء سردية وطنية واحدة متماسكة لا تتبدل يوميا.
٣- التكامل بين الإعلام والمبادرات التوثيقية المستقلة.
٤- التثقيف المستمر للجمهور حول أساليب التضليل.
٥- كشف شبكات التمويل والتوجيه الإعلامي بلا انفعال أو شعارات.
الخلاصة :
المعركة اليوم ليست فقط على الأرض… بل في عقل المواطن.
ومن يربح معركة الوعي، يربح نصف الحرب، والسودان يواجه واحدة من أعقد حروب العصر، لا يحتاج فقط إلى السلاح، بل إلى وعي مقاوم للتضليل، صلب أمام الضباب، لا يساوم على الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top