نقطة ارتكاز
مرتضى ميرغني
“بين النفوذ وادّعاء النفوذ : السعودية والإمارات في ميزان القبول الإقليمي”
في السياسة ، لا يُقاس النفوذ بحجم الضجيج الإعلامي ولا باتساع الحضور الاقتصادي وحده ، بل بمدى القبول الإقليمي وعمق الشرعية السياسية والقدرة على التأثير المستدام الذي يُسهم في الاستقرار بدلا من تعميق الأزمات .. ومن هذا المنطلق ، تبرز المقارنة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجا كاشفا للفارق بين النفوذ الحقيقي وادّعاء النفوذ في المشهد الإقليمي ..
تتمتع المملكة العربية السعودية بثقل سياسي متجذّر في التاريخ والجغرافيا والدين ، فضلا عن دورها المحوري في القضايا العربية والإسلامية .. هذا النفوذ لم يكن طارئا أو ظرفيا ، بل تأسس على شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية ، وعلى قدرة واضحة في إدارة التوازنات ، ما أكسبها قبولا رسميا وشعبيا في آن واحد .. فحين تتحرك السعودية غالبا ما يُنظر إلى دورها بوصفه عامل ترجيح واستقرار ، لا مجرد سعي لفرض واقع بالقوة أو عبر وكلاء ..
في المقابل ورغم ما حققته الإمارات من صعود اقتصادي وإعلامي لافت ، فإن دورها الإقليمي بات محل جدل واسع .. فقد طالتها خلال السنوات الماضية اتهامات وتقارير متكررة تتعلق بالتدخل غير المباشر في عدد من بؤر الصراع العربية وهو ما انعكس سلبا على صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي ..
في ليبيا ، وجّهت اتهامات بدعم أطراف عسكرية خارج المسار السياسي المعترف به دوليا شملت وفق تقارير أممية وإعلامية إسنادا عسكريا ولوجستيا في خرق لحظر السلاح ، ما أسهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص الحل ..
أما في السودان ، فقد تحوّل الدور الإماراتي من موضع اتهام إلى عنوان إدانة واسع في الوعي السوداني العام .. إذ تتهم القوى السياسية والمجتمعية ، مدعومة بتقارير صحفية وتحقيقات دولية ، أبوظبي بلعب دور محوري في دعم مليشيا الدعم السريع ماليا وعسكريا ولوجستيا سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات إقليمية ، ما جعلها في نظر كثير من السودانيين شريكا فعليا في الحرب لا مجرد طرف خارجي .. ويُنظر إلى هذا الدور على أنه أسهم بصورة مباشرة في إطالة أمد الصراع ، وتدمير الدولة وارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين ، فضلا عن تفجير واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في المنطقة . وبذلك ، لم يعد السودان ينظر للإمارات كوسيط أو فاعل سياسي ، بل كطرف منحاز غذّى الحرب على حساب وحدة البلاد ومستقبل شعبها ..
وفي اليمن ، ارتبط الدور الإماراتي باتهامات بدعم تشكيلات مسلحة خارج سلطة الحكومة الشرعية وإنشاء نفوذ مواز في الجنوب والسواحل ، ما عدّه منتقدون إضعافا لمؤسسات الدولة وتعقيدا لمسار استعادة الاستقرار ..
وفي تطور حديث يوضح الفارق بين النفوذ الحقيقي وادعاء النفوذ ، أعلنت المملكة العربية السعودية اليوم ضرب ميناء المكلا في اليمن ضمن عمليات عسكرية محددة بالتنسيق مع الحكومة اليمنية .. وجاء بعد الضربة العسكرية بيان رسمي من اليمن يطالب الإمارات بـالخروج من البلاد خلال مهلة 24 ساعة استجابة لرغبة الحكومة الشرعية .. وبعد أقل من خمس ساعات فقط ، أعلنت الإمارات إنهاء مشاركتها في اليمن وما تبقى من وجودها العسكري ، في خطوة مفاجئة أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن النفوذ الحقيقي بيد السعودية القادرة على فرض القرارات الإقليمية بالتنسيق مع الأطراف الشرعية ، بينما كان نفوذ الإمارات المزعوم هشا وعرضة للانهيار بمجرد تحرك حقيقي .. هذا التطور يعكس بوضوح الفرق بين القدرة الفعلية على التأثير وإدارة النزاعات ، وبين النفوذ المدّعى الذي يعتمد على الوجود العسكري أو النفوذ الإعلامي دون قبول شعبي أو شرعي ..
وبالنظر إلى هذا الدور في كل من السودان واليمن يتضح أن ما تُسميه الإمارات نفوذا إقليميا هو في الواقع ادعاء نفوذ قائم على القوة والموارد لا على الشرعية أو القبول الشعبي .. فالنفوذ الحقيقي يُبنى على احترام الدولة ومؤسساتها وعلى قدرة الفاعل الإقليمي على حل النزاعات بدلا من تأجيجها وهو ما يميز تجربة السعودية في المنطقة عن التجارب القائمة على المظاهر والإكراه ، كما هو الحال في اليمن والسودان .. وهكذا ، يظهر الفارق الجوهري بين النفوذ الحقيقي الذي يسهم في الاستقرار ، وبين نفوذ ادعائي قائم على القوة والظهور الإعلامي فقط ..





