من قلب الوطن أحمد عبدالصمد: الجامعات بعد الحرب… إعادة بناء الدولة من العقل

من قلب الوطن

أحمد عبدالصمد:

الجامعات بعد الحرب… إعادة بناء الدولة من العقل

في مرحلة ما بعد الحروب، تختبر الدول قدرتها على التعافي الحقيقي. بعضُها ينشغل بإعادة تشييد المباني، وبعضُها يفهم أن البناء الأهم يبدأ من الإنسان. من هذا المنطلق جاءت مخاطبة عضو مجلس السيادة الدكتورة سلمى للمؤتمر الدولي الأول حول دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب والنزاعات، الذي نظمته جامعة إفريقيا العالمية، لتضع التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات الدولة. الرسالة كانت واضحة: ما بعد الحرب ليس زمن المعالجات السطحية، وإنما مرحلة تأسيس جديدة تتطلب عقلاً وطنيا منتجاً للمعرفة، وقادراً على تحويل التجربة القاسية إلى مسار استقرار وتنمية.
التعليم كخيار استراتيجي: الخطاب لم يتعامل مع التعليم العالي باعتباره قطاعا خدميا مؤجلاً، وإنما كأداة سيادية لإعادة بناء الدولة. الجامعات، في هذا السياق، تتحول إلى مراكز تفكير، ومنصات لإنتاج الحلول، وبيوت خبرة تساند صانع القرار في ملفات الاقتصاد، والاجتماع، وإدارة ما بعد النزاعات. التأكيد على البحث العلمي يعكس فهما عميقا لطبيعة المرحلة. فالمعرفة وحدها القادرة على تشخيص آثار الحرب، وتقديم نماذج واقعية لإعادة الإعمار، بعيداً عن الاجتهادات العابرة أو النقل غير المدروس للتجارب.
جامعة إفريقيا العالمية… منبر للفعل لا للخطابة: تنظيم جامعة إفريقيا العالمية لهذا المؤتمر يمنح الحدث بعدا يتجاوز الإطار الأكاديمي. الجامعة تطرح نفسها شريكاً في مشروع وطني كبير، لا مجرد مؤسسة تعليمية تقف على الهامش. جمع المؤتمر أكاديميين وخبراء من داخل السودان وخارجه لمناقشة دور الجامعات في بناء السلام، ومعالجة آثار النزاعات، وربط التعليم بحاجات المجتمع الفعلية. هذا التوجه يعيد الاعتبار لدور الجامعة كجسر بين الدولة والمجتمع، وكرافعة للتعافي طويل المدى، لا كمخزن للشهادات.
ما بعد الحرب… إعادة صياغة لا ترميم: المرحلة المقبلة تتطلب رؤية مختلفة لإعادة الإعمار. المطلوب إعادة صياغة العلاقة بين المعرفة والتنمية، بين الجامعة ومؤسسات الدولة، وبين التعليم وسوق العمل. الجامعات قادرة على إعداد الكوادر المؤهلة، وتصميم السياسات، وتحويل البحث العلمي إلى أداة إنتاج واستقرار. ما طُرح في المؤتمر يؤسس لهذا التحول، ويمنح التعليم مكانه الطبيعي في معادلة التعافي الوطني.
خاتمة:
من قلب الوطن، تتضح الحقيقة دون مواربة: لا تعاف بلا تعليم، ولا استقرار دون بحث علمي، ولا دولة حديثة دون جامعة فاعلة. ما بعد الحرب فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع العقل الوطني في موقع القيادة. إعادة الإعمار تبدأ من قاعة الدرس، وحين تُمنح المعرفة مكانها، يصبح المستقبل ممكنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top