إسبوع سفر في الخرطوم أميمة عبدالله:

إسبوع سفر في الخرطوم
أميمة عبدالله:
الله يا بلد وأنتِ ما زلتِ رهينة الجب البعيد، محاصرة بالأحزان والدموع وأيام غزو الجنجويد وذكرى رائحتهم العالقة في الهواء المرعبة للقلوب لقد تركوا بقاياهم في كل مكان، وما بقاياهم إلا الخراب المشؤوم، وما أثرهم إلا الدمار الممنهج المقصود، على جدران البيوت والمؤسسات وعلى الشوارع والمقابر والأسوار والحدائق والمكتبات والكباري وعلى كل ما مروا به وعبروه تركوا بقايا حريقهم ومرورهم التتاري، كأنهم الصرخة التي نعجز فيها عن النجاة
الله يا بلد كل شيء فيكِ يحتاج إلينا وكل شيء فيكِ مرهق حزين باهت مائل كأنه لم يكن يوما ضمن منظومة الحياة النابض، البيوت تبحث عن أهلها لأن الحياة تعمر بالناس، والأشجار تنتظر من يسقيها لتزهر لأن الماء هو سر الحياة يعيد إليها وإلينا ظلها الماهل المفقود وكل طريق فيكِ يا خرطوم يتلفت متلهفا مرور العابرين وضجيج الناس ونداءات البائعين وصباح المدارس حتى المستشفيات تنتظرنا والأسواق التي بدأت في إنتظار الإكتمال بنا ، حتى أولئك اللذين لم يغادروا الخرطوم وعاشوا أيام الجنجويد في إنتظار الناس أن تعود أن تفتح بيوتها لنتخلص من عبورهم المشؤوم ، الناس تتعافى ببعضها وتدفأ وتطمئن ببعضها ومسيرة البناء تبدأ بالعودة
النواحي رغم العودة مازالت باهتة والشوارع حزينة ومن قابلتهم يتذكرون بالدموع أيام الجنجويد الحالكة يتذكرون إذلالهم لهم أمام بيوتهم وهم سكارى لا يكادون يفقهون ما يفعلون يتسلون بأذية كل من يصادفهم، الناس تحاول أن تحكي قدرتها قبل أن تسكتهم العبرة وتهزمهم الذكرى أي بشرٍ كانوا أولئك الجنجويد المرتزقة وأي قصصٍ تلك التي سمعتها !!
الله يا بلدي وأنا في الشوارع أبحث عنكِ وعني ، عن أيامي وذكرياتي ومن أحببتهم ومن بين أكوام الرصاص أنبش علّني أظفر بوجه قديم أعرفه، الاحزان العظيمة تغيرنا وحبسها في الصدور يجعلنا صامتين أغلب الوقت الحزن صامت يا خرطوم وما نحن إلا حكاياتنا.
الله يا خرطوم و أنا في طريق خالٍ أسير وكلي شوق إليكٍ ومحبة وأمنيات العودة تحتويني والحسرة تبتلعني وأنا أتلهف موأساتك، أن اعود لأن القلب أضعف من تحمل كل ذلك الفراق.
رحلة أسبوع من الشمال وحتى الخرطوم وصور السودان قبل الحرب تلاحقني كالظل تلتصق بالقلب المذهول من حجم الخراب وقدرتهم العالية على التدمير، لقد نصبوا في كل ركن منصة إعدام لكل شيء حي، الحكايات كأنها ريشة سوداء من قلب المجهول لكلٍ منهم حكاية بعضها قِيل وبعضها مازال حبيس جدران الصمت.
الخرطوم تنتظر الناس تتلهف بواباتها للداخلين تتلهف تحيتهم تنتظر قياداتها ومواطنيها وأهلها
الله يا خرطوم وأنتِ تحاولين النهوض من جديد، إرادة البناء وعزم العودة وإصرار القيادة .
ف البلاء لا يدوم والعسر لا يستمر وبأيدي الناس تعود الحياة وتعمر المدن وتخضّر الضفاف..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top