تفقّدها رئيس الوزراء.. وأعلنها الأعيسر..
نداء الإعلام لإعادة التعمير..دعوات صادقة واستدعاء للطاقات..
الكرامة- علم الدين عمر
الوزارة تفرغ من رصد الدمار إلى استنهاض الإرادة
الجولة الرمزيّة كشفت استهداف الذاكرة الوطنية قبل المباني
المؤسسات الثقافية تعرّضت لتدمير ممنهج من المليشيا
(1)
جولة وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر التي شملت أم درمان والخرطوم جاءت محمّلة بدلالات تجاوزت إطار الزيارات التفقّدية المعتادة..الوزير وطاقم الوزارة وقف عند متحف الخليفة بأم درمان..ثم متحف السودان القومي بالخرطوم.. متجاوزاً الأضرار المادية..ومضى للكشف المباشر عن طبيعة الاستهداف الذي طال الذاكرة الوطنية السودانية.. في محاولة لقطع الصلة بين التاريخ والحاضر..وتجريد الدولة من رموزها الحضارية..
ويؤكّد هذا المسار أن ما تعرّضت له المؤسسات الثقافية لم يكن ضرراً جانبياً للحرب..بل كان جزءاً من نمط تدمير ممنهج إستهدف كل ما يشكل وجدان الدولة السودانية وروايتها التاريخية الجامعة..
(2)
تخريب أدوات الوعي والتواصل
إمتد مشهد الدمار ليشمل مؤسسات الإعلام الرسمي..حيث جري إستهداف ذاكرة وكالة السودان للأنباء “سونا” و التلفزيون القومي وقناة النيل الأزرق والهيئة العامة للبث الإذاعي والتلفزيوني..وصولاً إلى الإذاعة القومية.. وهي مؤسسات لعبت تاريخياً دوراً محورياً في بناء الخطاب الوطني.. وربط أطراف البلاد بمركزها..
زيارة رئيس الوزراء لهذه المرافق برفقة الوزير عكست إدراكاً رسمياً لأهمية إعادة تشغيل الإعلام كضرورة سيادية..في ظل معركة مفتوحة على الوعي والرواية.. داخلياً وخارجياً.. حيث لا تقل الكلمة والصورة أثراً عن البندقية..
(3)
“4” وزارات في وزارة
أبرز ما ميّز هذا الحصاد هو حجم التحدّي الإداري والتنظيمي.. إذ تشرف وزارة الثقافة والإعلام والسياحة حالياً على أربع وزارات مدمجة.. وتتبع لها عشرات المجالس والهيئات.. في ظل إمكانيات محدودة للغاية.. ونقص حاد في الكوادر مقارنة بإتساع المسؤوليات..
لكن الخطاب الرسمي ذهب في إتجاه مغاير للتبرير..إذ شدّد الوزير على أن شح الموارد ليس عذراً مسبقاً للتقصير.. بقدر ما هو دافع منطقي للإبتكار والعمل خارج القوالب الجاهزة..وهي مقاربة تعكس تحوّلاً في فلسفة الإدارة العامة.. من إنتظار إكتمال الشروط المثالية.. إلى العمل بما هو متاح.. وتوسيع دائرة الشراكات الوطنية..
(4)
تجاوز البيروقراطية
استحضار تجربة بورتسودان خلال عام وشهرين تجاوز مفهوم المقارنة الزمنية ليمضي في إتجاه محاولة نقل نموذج عملي لإدارة العمل في ظروف إستثنائية بالغة التعقيد إلى العاصمة القومية الخرطوم.. بكل ما تحمله من رمزية سياسية وثقل إداري وتعقيد أمني..
ويقوم هذا النموذج على ركيزتين أساسيتين.. الإرادة الصادقة.. والعمل الجماعي المتجاوز للوظائف التقليدية.. وهي رسالة موجهة للكوادر الحالية.. وللقادمين المحتملين.. بأن المرحلة لا تحتمل العمل الروتيني أو الذهنيات البيروقراطية القديمة..
(5)
نداء وطني مفتوح.
خطاب الوزير الإعيسر بشكل أو آخر تجاوز الإطار الحكومي التقليدي ليشكّل نداءً وطنياً مفتوحاً لكل أبناء وبنات السودان.. بمختلف تخصّصاتهم وخبراتهم.. للمشاركة في معركة إعادة الإعمار الشامل.. وهي دعوة عكست وعياً معقولاً بأن الدولة في مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن أن تنهض وحدها..ولا أن تعيد بناء مؤسساتها بمعزل عن المجتمع..
هذا النداء لم يقتصر على البناء المادي..وأنتقل ليشمل إعادة تأسيس الخطاب الثقافي والإعلامي.. وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع..وصياغة رواية وطنية جامعة قادرة على مواجهة خطاب التفكيك والتشويه..
(6)
معركة طويلة بإرادة لا تنكسر
كشفت هذه الجولة ومخرجاتها ورؤيتها وما رافقها من رسائل سياسية وإدارية أن معركة إعادة بناء الثقافة والإعلام في السودان ليست قصيرة ولا سهلة.. لكنها معركة محسومة الإرادة.. فالخراب مهما بلغ، لا يستطيع أن يهزم شعباً يمتلك وعياً بتاريخـه.. وإيماناً بقدرته على النهوض..
إنه حصاد يضع النقاط على الحروف.. لا مستحيل في مشروع إعادة الإعمار..إن توفّرت الإرادة..وتحول التحدّي إلى طاقة في أن يستدعى الوطن كل أبنائه وبناته إلى ساحة العمل..






