من قلب الوطن أحمد عبدالصمد من الرياض إلى الدوحة… كيف تُدار معركة السودان خارج الميدان

من قلب الوطن

أحمد عبدالصمد

من الرياض إلى الدوحة… كيف تُدار معركة السودان خارج الميدان

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الدول، لا يُقاس ثقل القيادة بما تقوله في الداخل فقط، وإنما بقدرتها على التحرك خارجيا وهي تحمل رواية الدولة كاملة،زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الدوحة، ضمن مسار شمل الرياض والقاهرة وأنقرة، تعكس انتقال السودان من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة إدارة المعركة سياسياً ودبلوماسياً بعقل الدولة.
قراءة زيارة الدوحة خارج سياقها الإقليمي تُفقدها معناها الحقيقي، فهي حلقة ضمن سلسلة تحركات مدروسة، اختارت عواصم ذات أوزان مختلفة، يجمعها عامل واحد: التأثير في التوازنات الإقليمية المحيطة بالسودان. في الرياض، تحرك السودان نحو مركز القرار العربي المؤثر، واضعاً ملف الاستقرار السوداني ضمن معادلات الأمن الإقليمي، ومرسلا رسالة مفادها أن انهيار الدولة السودانية لن يكون شأناُ داخليا معزولا. في القاهرة، كان الحديث بلغة الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، حيث تتقاطع الحدود والمخاوف، ويصبح استقرار السودان عنصراً مباشراِ في معادلة الأمن القومي الإقليمي.
في أنقرة، اتجه الخطاب إلى شراكات طويلة الأمد، تتّصل بإعادة البناء، وبناء المؤسسات، وتوسيع هامش الحركة السياسية خارج الاصطفافات الضيقة. ثم جاءت الدوحة لتكتمل الدائرة، بما تمثله من حضور دبلوماسي وإعلامي واقتصادي، وقدرة على إيصال الرواية السودانية إلى منصات القرار والتأثير، بعيدا عن الصور النمطية والاختزال المتعمد لطبيعة الصراع. اللقاء مع القيادة القطرية ركّز على تعزيز التعاون الثنائي، ودعم جهود الأمن والاستقرار، في توقيت حساس يحتاج فيه السودان إلى شركاء يفهمون تعقيد المشهد، ويتعاملون مع الدولة بوصفها أصل الحل، لا جزءاً من الأزمة. هذا المسار يكشف أن الخرطوم تتعامل مع الحرب باعتبارها صراعا متعدد المستويات: ميدان يُحمى فيه الكيان الوطني، وسياسة تُدار فيها المعركة على الشرعية، وإقليم تُبنى فيه شبكة علاقات تحاصر محاولات العزل والتشويه.
الدلالة السياسية: الجولة الخارجية ترسم ملامح سياسة خارجية جديدة، أقل انفعالاً وأكثر حسابا، لا تبحث عن دعم مؤقت، وتعمل على تثبيت السودان كطرف فاعل يمتلك قراره، ويعرض قضيته من موقع الدولة القائمة، لا من موقع الدولة المتعثرة.
الخاتمة:
من الرياض إلى القاهرة، ومن أنقرة إلى الدوحة، يتحرك السودان بخطى محسوبة، واضعا الدبلوماسية في موقعها الطبيعي كخط دفاع متقدم عن الدولة. في زمن تتهاوى فيه دول تحت ضغط الفوضى، يختار السودان طريق الصبر السياسي، وتوازن العلاقات، وحماية السيادة. ذلك هو معنى أن تُدار المعركة من قلب الوطن… بعيداً عن الارتباك، وقريباً من جوهر الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top