قدمها سفير السودان بالهند وسط حضور كبير من الطلاب والباحثين.. محاضرة “دلهي”..حقيقة سردية الحرب.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

قدمها سفير السودان بالهند وسط حضور كبير من الطلاب والباحثين..

محاضرة “دلهي”..حقيقة سردية الحرب..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

تأكيدات على أن ما يجري في السودان عدواناً إماراتياً

المحاضرة فتحت ملفات الداخل والعلاقات مع الهند

تفاعل كبير حول طبيعية الوضع وتعقيداته الإقليمية

داخل قاعة أكاديمية بجامعة دلهي، وعلى مسافة جغرافية بعيدة من ضجيج المدافع في دارفور، وكردفان، كان السودان حاضراً بصوته وروايته، من خلال المحاضرة التي ألقاها سفير السودان لدى الهند، د. محمد عبد الله علي التوم، متناولاً مجريات الأوضاع الأمنية والسياسية في السودان، والعلاقات السودانية الهندية، وآفاق المستقبل في مرحلة ما بعد الحرب، لقد كانت المحاضرة أقرب إلى جلسة تنوير عميقة، حاول فيها السفير أن يزيح غبار التضليل عن مشهد معقَّد، وأن يضع الحرب الدائرة في السودان منذ منتصف أبريل 2023م في سياقها الصحيح، باعتبارها حرباً فُرضت على الدولة السودانية بعد أن أشعلت فتيلها ميليشيا الدعم السريع، مستهدفةً الأمن والسيادة ومقومات الدولة، وتوقف السفير عند تطورات المشهد السياسي والأمني، مبرزاً صمود مؤسسات الدولة، ومشدداً على أن السودان، رغم الجراح، ما زال يمتلك القدرة على النهوض، لا سيما عبر شراكات دولية واعية، وفي مقدمتها الشراكة مع جمهورية الهند.

العلاقات السودانية الهندية
وتشكل العلاقات السودانية الهندية حضوراً بعيداً عبر جذور ضاربة، وآفاق متجددة، حيث تعود هذه العلاقات إلى ما قبل استقلال السودان، حين كانت الروابط التجارية والثقافية تشق طريقها بهدوء بين ضفتي المحيط الهندي، ومع استقلال السودان، لم تتأخر الهند في مدّ يد التواصل المؤسسي، إذ كانت من أوائل المحطات الدبلوماسية التي حطّ فيها السودان رحاله في سنواته الأولى، ما عكس تقديراً متبادلاً ورغبةً مشتركة في بناء علاقات مستقرة، وتطورت هذه العلاقات على مرّ العقود، لتشمل مجالات متعددة، من التجارة والاستثمار، إلى التعليم العالي والصحة والزراعة، حيث أصبحت الهند وجهة مفضلة للطلاب السودانيين، وشريكاً مهماً في مجالات الدواء والتقانات الزراعية وبناء القدرات، ولعل القادم سيكون أجمل.

دبلوماسية تخاطب العقول
واكتسبت المحاضرة التي قدمها سفير السودان لدى الهند أهميتها الخاصة من كونها قُدّمت في منصة أكاديمية مرموقة كجامعة دلهي، وأمام جمهور نوعي من طلاب وباحثي الدراسات الأفريقية وأساتذتهم، يتقدمهم رئيس قسم الدراسات الأفريقية بروفيسور (يارو ينقام)، إلى جانب أعضاءٍ من هيئة التدريس وطلاب الدراسات العليا، وفي سياق مثل هذا، تتحول الجامعات من مؤسسات تعليمية، لتكون بمثابة معامل لتشكيل الرأي العام، ومراكزَ لإنتاج المعرفة، وجسورٍ ناعمة للعلاقات الدولية، وتكمن مكاسب السودان من مخاطبة هذا الفضاء المستنير في ترسيخ روايته العادلة، وتفكيك الصور النمطية، وبناء شبكة من المتعاطفين والباحثين القادرين على نقل حقيقة ما يجري في السودان إلى دوائر البحث والإعلام وصناعة القرار.

تفاعل وأسئلة منطقية
محاضرة سفير السودان لدى الهند، وبما حملته من ثقلٍ في الموضوع، ووضوح في الطرحٍ والرؤية، استحوذت على إعجاب الحاضرين، وقد انعكس ذلك في حجم التفاعل الواسع لدى الطلاب والباحثين الذي طرحوا أسئلة عميقة حول طبيعة الحرب، وتعقيداتها الإقليمية، ومستقبل الدولة السودانية، وقدموا مداخلات أعربوا من خلالها عن تقديرهم للطرح الذي قدّمه السفير، وللشروحات المفصلة التي أضاءت زوايا معتمة في المشهد السوداني، فيما ثمّن أعضاءٌ من هيئة التدريس هذه المشاركة، معتبرين أنها تشكل مدخلاً مهماً لتعاون أكاديمي وبحثي مستقبلي مع سفارة السودان بالهند والتي تمثل جسراً للعبور إلى الجامعات السودانية ومراكز البحث العلمي، بما يفتح آفاقاً لتبادل الخبرات، وإجراء بحوث مشتركة حول قضايا أفريقيا والسودان على وجه الخصوص.

الحقيقة على الأرض
وفي محور مفصلي من محاضرته، شدد سفير السودان لدى الهند، السفير د. محمد عبد الله علي التوم على أن ما يجري في السودان ليس حرباً أهلية، بل عدوان خارجي يستهدف الدولة السودانية وسيادتها، تقوده بالوكالة ميليشيا الدعم السريع الإرهابية، وقدم السفير شرحاً مستفيضاً حول الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها الميليشيا بحق المدنيين والبنية التحتية، مشيراً إلى الدور الإماراتي في تغذية الحرب عبر تزويد الميليشيا بالعتاد والسلاح، في محاولة لفرض واقع سياسي جديد على حساب وحدة السودان وأمنه.

الهند وما بعد الحرب
وتناول السفير محمد عبد الله التوم، دور الهند في مرحلة ما بعد الحرب، مؤكداً أن تحقيق السلام سيكون البوابة الطبيعية لإطلاق عملية إعادة الإعمار، واستعرض في هذا الصدد ملامح خطة السلام التي قدمها رئيس الوزراء د. كامل إدريس إلى مجلس الأمن في ديسمبر الماضي، باعتبارها خارطة طريق واقعية لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار، مبيناً أن مرحلة إعادة الإعمار ستفتح عملياً الباب أمام شراكات كبرى مع الهند في قطاعات حيوية تشمل الطاقة، والبنية التحتية، والزراعة، والصحة، والتعليم وبناء القدرات، بما يعزز المصالح المشتركة للبلدين، كما أشار التوم إلى نتائج زيارة السفير محي الدين سالم وزير الخارجية والتعاون الدولي الأخيرة إلى الهند، والتي أسفرت عن لقاءات رفيعة المستوى عززت مسار الشراكة الثنائية، واتفقت على تنشيط آليات التعاون والانتقال بالعلاقات إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب تنسيق المواقف في المحافل الدولية.

خاتمة مهمة
على كلٍّ.. فقد كشفت محاضرة سفير السودان لدى الهند دكتور محمد عبد الله علي التوم عن إدراك متقدم لأهمية (دبلوماسية المعرفة) في زمن تتزاحم فيه الروايات وتشتد فيه معارك الوعي، ففي الوقت الذي تستعر فيه نار الحرب على الأرض، يخوض السودان معركة موازية في الفضاء الدبلوماسي والإعلامي والأكاديمي، دفاعاً عن قضيته العادلة، وبحثاً عن شركاء يؤمنون بأن السلام ليس نهاية الحرب فحسب، بل بداية مشروع وطني جديد، يجد في الهند حليفاً محتملاً، وفي الجامعات منصات صادقة لنقل الحقيقة وبناء المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top