لعبت دوراً داعماً لسيادة ووحدة السودان.. السعودية.. صوت الحكمة.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

لعبت دوراً داعماً لسيادة ووحدة السودان..

السعودية.. صوت الحكمة..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

رؤية الرياض مع عواصم أخرى مؤشر لتحالف مهم

السفير نادر: الشراكات الذكية ستحرّر المنطقة من التآمر الدولي
في تحوّلٍ لافت يشبه انبثاق الضوء من بين ركام العتمة، شهدت مقاربة المملكة العربية السعودية للقضية السودانية تطوراً نوعياً، تجاوز حدود البيانات الدبلوماسية التقليدية إلى مواقف سياسية واضحة المعالم، فقد برز موقف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بطلبه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل لمعالجة الحرب في السودان، كإشارة قوية على انتقال الرياض من خانة القلق إلى مربع الفعل، وجاء البيان الصارم الصادر عن وزارة الخارجية السعودية، الذي أدان واستنكر الهجمات الإجرامية التي شنتها ميليشيا الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري بولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، وأسفرت عن مقتل 22 شخصاً بينهم أربعة من الكوادر الطبية، ليؤكد أن السعودية باتت ترى المشهد السوداني بوضوح لا تشوبه المجاملة، ولا تحجبه الحسابات الرمادية.
مسار سعودي مشرِّف
والواقع أن المملكة العربية السعودية تحركت منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب في السودان، مدفوعة بإحساسٍ مبكر بخطورة النزيف المفتوح في جسد الدولة السودانية، فكانت مبادرتها بعقد منبر جدة في مايو 2023م، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، محاولةً جادة لوضع حدٍّ للحريق، غير أن تعنّت ميليشيا الدعم السريع ورفضها تنفيذ مخرجات المنبر أطاح بفرصة ثمينة للسلام، ومع تعقّد المشهد، لم تتراجع الرياض إلى الخلف، بل رفعت منسوب انخراطها السياسي، وهو ما تجلّى في موقف الأمير محمد بن سلمان في نوفمبر ٢٠٢٥م، والذي طلب تدخلاً أمريكياً مباشراً لإيقاف الحرب، في خطوة تعكس إدراكاً بأن الأزمة السودانية لم تعد شأناً محلياً، بل تهديداً إقليمياً مفتوح الاحتمالات، ثم جاء البيان الأخير للخارجية السعودية، عقب استهداف مستشفى الكويك العسكري وقافلة إنسانية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، ليضع النقاط فوق الحروف من خلال إدانة صريحة للميليشيا، وتحميل واضح للمسؤولية، ورسالة لا لبس فيها بأن استهداف المرافق الطبية والإنسانية جريمة لا يمكن القفز فوقها أو تبريرها تحت أي ذريعة.
تحالف إقليمي
ولا يقف الموقف السعودي عند حدّ الإدانة، بل يتقاطع مع مواقف دولٍ إقليمية فاعلة، في مقدمتها مصر وتركيا وقطر وإريتريا، التي أعلنت منذ اندلاع الحرب دعمها لوحدة السودان وسيادته ورفضها لأي مشاريع تفتيت أو وصاية، ويفتح هذا التقاطع الباب واسعاً أمام بناء تحالف إقليمي عريض، يستثمر هذه المواقف لتحويلها من بيانات سياسية إلى قوة ردع استراتيجية، وتتبدى في هذا السياق الأزمة السودانية كجزء من لوحة إقليمية أوسع، تتقاطع فيها التدخلات الإماراتية في السودان واليمن، مع تطورات الصومال، ضمن مساعٍ محمومة للتمدد على حساب سيادة الدول، وبما يخدم وفق مراقبين، طموحات إسرائيلية متنامية للهيمنة على ممرات البحر الأحمر وثروات القرن الأفريقي، وهنا يمكن لتحالف تقوده السعودية، ويستند إلى ثقل مصر وتركيا وقطر، أن يشكّل حائط صدٍّ صلباً أمام هذا التغلغل.
ملامح المرحلة الراهنة
واتساقاً مع هذا السياق يؤكد السفير نادر فتح العليم، الخبير في فضّ النزاعات والعلاقات الدولية، أن ملامح المرحلة الراهنة تشير بالفعل إلى تشكّل تحالف إقليمي جديد وفاعل تقوده المملكة العربية السعودية، وقال في إفادته للكرامة إن هذا التحالف يمثل تحولاً مهماً في مسار العلاقات الإقليمية، خاصة في ما يتعلق بالسودان واليمن والتطورات الجارية في الصومال، مبيناً أن انحياز السعودية الواضح لوحدة السودان واستقراره يعكس وعياً سياسياً متقدماً أظهرته الرياض في التوقيت المناسب، معتبراً أن هذا الموقف يأتي في سياق مواجهة التغلغل الإماراتي، الذي وصفه بالذراع الإسرائيلية التي تعمل على تفتيت الدول وتقسيم الشعوب، منوهاً إلى أن التقارب السعودي– المصري– التركي يشكّل نواة هذا التحالف، لافتاً إلى أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ثم إلى مصر، ومناقشة الملفات ذاتها، تعكس مستوىً عالياً من التنسيق حول قضايا محورية، في مقدمتها السودان والصومال، وشدّد السفير على أن وحدة السودان خط أحمر، ولا شرعية إلا للحكومة السودانية والجيش السوداني، مع دعم واضح للشعب السوداني الذي يساند قواته المسلحة.

شراكات ذكية
ويتناول السفير فتح العليم مفهوماً سياسياً من ” بنات أفكاره” أطلق عليه (الشراكات الذكية في العلاقات الدولية)، وأبان السفير نادر أن السعودية ترتبط باتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، وهي دولة نووية، وأن التحالف الجديد يضم كلاً من السعودية وتركيا وباكستان وجمهورية مصر العربية، ويحظى بدعم قوي من دولة قطر بما لها من ثقل إقليمي ودولي، مؤكداً أن هذا التحالف يستهدف، في مرحلته الأولى، تحرير السودان من التعقيدات والتآمر الإقليمي والدولي، متوقعاً أن يصبح السودان، بعد تجاوز هذه المرحلة، فاعلاً أساسياً داخل هذا الحلف، وقادراً على الإسهام في بناء توازن إقليمي قائم على امتلاك القوة، والدفاع عن وحدة الشعوب وسيادة الدول.

خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. يمكن القول إن الموقف السعودي المتقدم من القضية السودانية، يعكس إعادة تموضع استراتيجي في الإقليم، عنوانه حماية الاستقرار ومنع تفكك الدول، ففي الوقت الذي تتكثف فيه التدخلات الخارجية في السودان، يبرز هذا التحول كفرصة تاريخية لبناء تحالف إقليمي يضع حداً للحرب، ويعيد للسودان موقعه الطبيعي كدولة محورية، فهي إذن لحظة تختار فيها المنطقة أن تنتصر لغة الدولة، لا أن يُترك الميدان نهباً لرياح الفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top