أثارت مقاطع مصورة لزراعته داخل المشروع جدلاً واسعاً
“التمباك” في الجزيرة.. رفض واسع
إنبات التبغ بوحدة المحريبا ..مخاوف المزارعين
قلق بيئي..و تحذيرات من تهديد الأمن الغذائي
خبراء ينبهون لخطر استنزاف التربة وتهديد المحاصيل
توجّس من تغيير الدورة الزراعية
تقرير – رحمة عبدالمنعم
أثارت مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر زراعة تبغ “التمباك” داخل مشروع الجزيرة، وتحديداً في منطقة ( أم وزين) بوحدة المحريبا، موجة واسعة من الجدل والقلق وسط المزارعين والناشطين البيئيين، في ظل تحذيرات متزايدة من تداعيات هذه الزراعة على التربة والبيئة والصحة العامة، إلى جانب مخاوف من تأثيرها على التركيبة المحصولية التي أُنشئ المشروع على أساسها.
احتجاجات وتحذيرات
وشهدت ولاية الجزيرة في الأيام الماضية احتجاجات متصاعدة من قبل مزارعين وناشطين بيئيين رفضاً لما وصفوه بـ”التمدد غير المنضبط” لزراعة تبغ (التمباك)داخل مشروع الجزيرة، أحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في إفريقيا.
وطالب مزارعون بوقف التوسّع في هذه الزراعة، مؤكدين أنها بدأت تزحف على حساب المحاصيل الغذائية الأساسية، في منطقة تمثل ركيزة رئيسية للأمن الغذائي في السودان.
وقال عدد من المزارعين إن زراعة التبغ تُعد من الزراعات التي تستنزف خصوبة التربة بشكل كبير، نتيجة اعتمادها على كميات مكثفة من المبيدات والأسمدة الكيميائية، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية ويجعل من الصعب إعادة استخدامها لزراعة محاصيل أخرى مستقبلاً.
وحذّر ناشطون بيئيون من أن التوسّع في هذه الزراعة قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه، خاصة في ظل الاستخدام المكثف للمواد الكيميائية، فضلاً عن استهلاك كميات كبيرة من المياه في منطقة تعتمد أساساً على نظم ري دقيقة داخل المشروع.
ويُعد التمباك أحد أنواع التبغ التي لا تُدخَّن، بل يتم تناوله عبر الفم عن طريق الامتصاص أو الاستنشاق. ويحتوي على مادة النيكوتين المنشطة للجهاز العصبي، ويأتي بلون داكن ورائحة نفاذة، كما يتكوّن عادة من النيكوتين مضافاً إليه مواد أخرى مثل التنبول والكربوهيدرات العطرية والجير، إضافة إلى مواد أخرى تُستخدم في عملية التحضير.
وينتشر استخدامه بصورة واسعة في السودان وبعض الدول مثل السعودية واليمن.
مخاطر صحية واقتصادية
ويرى مختصون في المجال الصحي إن المخاوف المرتبطة بزراعة التبغ لا تقتصر على الجانب البيئي فقط، إذ إن المخاطر تمتد أيضاً إلى المزارعين والعاملين في الحقول نتيجة التعرّض المباشر للمواد السامة المستخدمة في الزراعة والمعالجة.
ويؤكد خبراء أن هذه العوامل قد تزيد من احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة، ما يشكل عبئاً إضافياً على النظام الصحي.
ويرى محتجون أن العائد المادي السريع الذي قد يجنيه بعض المزارعين من زراعة التبغ لا يعوّض الخسائر بعيدة المدى، سواء على مستوى تدهور التربة أو تراجع إنتاج المحاصيل الغذائية، محذرين من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤثر سلباً على استدامة الاقتصاد الزراعي في الولاية.
تهديد المحاصيل
وفي السياق ذاته، قال الخبير الزراعي الدكتور بابكر عبدالرحمن لـ”الكرامة” إن زراعة التبغ تُعد من الزراعات الأكثر استهلاكاً للأراضي الزراعية.
وأوضح أن التبغ من المحاصيل التي تُتعب الأرض زراعياً وتنهك التربة، إذ يُعد محصولاً عائلاً للفيروسات ويسمح بنقلها من محصول إلى آخر، وهو ما قد يهدد سلامة المحاصيل الأخرى داخل الدورة الزراعية.
وأضاف عبدالرحمن أن المواد الكيميائية المستخدمة في زراعة التبغ يمكن أن تؤثر على مصادر مياه الشرب نتيجة الجريان السطحي من الحقول إلى قنوات المياه. وأشار إلى أن الأبحاث الزراعية أثبتت أن محاصيل التبغ تستنزف العناصر الغذائية في التربة عبر امتصاص كميات كبيرة من النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم مقارنة بالمحاصيل الرئيسية الأخرى.
وتابع: يتفاقم هذا الاستنزاف بسبب عمليات تقليم قمم النباتات وإزالة الفروع الجانبية، وهي ممارسات زراعية تُستخدم لزيادة محتوى النيكوتين وإنتاجية أوراق التبغ، لكنها في المقابل تزيد من إنهاك التربة.
وشدد الخبير الزراعي على ضرورة تدخل الدولة لإيقاف زراعة التمباك داخل مشروع الجزيرة، حفاظاً على التربة والموارد الطبيعية وعلى التركيبة المحصولية التي صُمم المشروع لخدمتها.
استياء
من جهته، قال المزارع محمد علي أحمد من منطقة المحريبا، إن ظهور زراعة التمباك داخل المشروع أثار استياءًا واسعاً وسط المزارعين.
وأضاف لـ”الكرامة”: إن مشروع الجزيرة قام أساساً على زراعة محاصيل محددة مثل القطن والقمح والذرة وغيرها من المحاصيل الاستراتيجية، وإدخال محاصيل مثل التمباك قد يهدّد التربة ويؤثر على الإنتاج الزراعي في المستقبل.
وأشار إلى أن المزارعين يخشون من أن يؤدي انتشار هذه الزراعة إلى تغيير طبيعة الدورة الزراعية داخل المشروع، مطالباً إدارة المشروع والجهات المختصة بالتدخل العاجل لمنع أي محاصيل لا تتوافق مع التركيبة المحصولية المعتمدة.
مطالب بالتحقيق
ودعا مزارعون وناشطون إلى فتح تحقيق رسمي حول زراعة التمباك داخل المشروع، ومحاسبة الجهات أو الأفراد الذين سمحوا بزراعته، كما طالبوا الحكومة وإدارة مشروع الجزيرة بالتدخل الفوري لوضع ضوابط صارمة تمنع إدخال أي محاصيل خارج إطار السياسة الزراعية للمشروع، حمايةً للأراضي الزراعية وضماناً لاستدامة الإنتاج.
وفي المقابل، لم تصدر حتى الآن أي إفادة رسمية من إدارة مشروع الجزيرة بشأن المقاطع المتداولة لزراعة التمباك في بعض أقسام المشروع، وهو ما زاد من حالة القلق والتساؤلات وسط المزارعين والرأي العام.
ويظل مشروع الجزيرة، الذي يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الزراعي في السودان، أمام اختبار جديد يتعلّق بالحفاظ على موارده الزراعية وضمان استدامة إنتاجه في ظل تحديات الحرب والتحوّلات الاقتصادية.






