حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
“اقطعوا الحبل محل رقيق”
دون سائر قرى شمال الجزيرة ..اشتهرت قريتنا بكثرة المتحرّكات… من الركشات إلى الحاصدات الحديثة مروراً بالعربات والشاحنات والحافلات والبكاسي والتراكترات والبلدوزرات والبوكلينات.
ولهذا قصة ماتعة جمعت فصولها بحكم معايشتي لها… إن شاء الله سوف أحكيها في يوم قادم ليس للفشخرة بل لكي يعرف الناس كيف تنهض المجتمعات المحلية وترتبط برأس المال العالمي… بإرادتها وأحياناً أكثر بدون إرادتها ….
لكن للأسف سوف اختم هذة القصة بغزو مليشيا الدعم السريع للقرية في 14 نوفمبر 2025 بمتحرّك قتالي كبير … ومكث فيها حوالي شهر بعد أن طردنا منها… ونهب ما قيمته ستين مليون دولار منها على حسب إحصائية المختصين في الإحصاء من أبناء القرية … هذا بعد أن صعدت عشرات الأرواح إلى بارئها ….
في ستينات وسبعينات القرن الماضي كانت الأكثر انتشاراً في القرية العربات البدفورد (السفنجة) والاوستن حمولة خمسة طن وكلها وارد إنجلترا .. هذه العربات كانت تجوب كل أنحاء السودان ..واشهد الله أنني قد شهدت بأم عيني عمنا السائق / عثمان الخضر الشهير بالبطل والد صديقنا الاعلامي الدكتور محمد يوقف العربة أمام منزله وهي تحمل الأنناس الطازج والمنقة و الغزلان وهو قادم من جنوب السودان …وأشهد الله أنني رأيت بأم عيني وفي يوم واحد عربيتين بدفورد واوستن وهما محملتان بالطماطم من حواشاتنا… واحدة متجهة الي بورتسودان والأخرى متجهة إلى نيالا …كانت هذه السيارات تجوب كل أرجاء السودان دون أن تكون هناك طرقاً مسفلتة ولا قهاوي فاخرة في الطريق تحمل المنتجات الزراعية والغابية والحيوانات …
اها تعال الليلة في اليوم العلينا دة البكسي حمولة طن واحد من الطماطم في رحلته من المسيد إلى الخرطوم (ستين كيلو) يتوقف سبعة مرات وفي كل مرة إيصال أو (غمتة) طبعا الغمتة مصطلح قديم الحكاية بقت على عينك يا تاجر …أما النتيجة فقد ترك المزارعون زراعة الطماطم والخضروات فتجد في بعض المواسم المساحة المزروعة خضروات تحسب بعشرات الفدادين بعد كانت تحسب بالمئات… وحتى الذين يجازفون بالزراعة أحياناً يتركونها للبهائم عندما تتشبع الأسواق المحلية والخرطوم ….مثلما يحدث لمنقة ابو جبيهة عندما يكون سعر الكرتونة الفارغة أغلى من سعر المنقة التي تملأها ..وأذكر هنا برتقال جبل مرة وطماطم طوكر … أين مشروبات الكركدي والعرديب والقنقليز والقضيم البارد التي كانت تضج بها برندات الخرطوم واكشاك المرطبات ؟ ..ولعل المفارقة أن الفصم الذي تم بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك وأضر بالطرفين قد حدث في وقت تطوّرت فيه وسائل النقل وتحسنت الطرقات …فيا له من تقدّم للخلف ..
كان موضوعنا بالأمس مكرساً لهذا الموضوع فقد أوضحنا أن الجبايات العشوائية الناجمة من فوضى التشريعات المالية التي أحدثتها الفدرالية المطبقة في بلادنا منذ زمن مضى.. واقترحنا الحكم عليها بالإعدام رمياً بالاقلام إلى حين معرفتها وتهيئة الظروف لتطبيقها ..
كيف تقول إنك تريد توزيع الثروة والسلطة …أين هذه الثروة التي تريد توزيعها ؟ …حتى الثروة القليلة أنت تحتكرها في المركز ثم تعطي السلطة لحاكم الإقليم ليقطع بها الطريق ويدمر بها التجارة وبالتالي الزراعة ومن ثم الصادر ….
الهند اختنا في الرضاعة من الاستعمار الانجليزي فطنت لهذه التنمية غير المتوازنة التي ورثتها من الاستعمار فوضعت في الدستور نعم في الدستور مادة ليصبح أمراً مركزيا .. يمنع بموجبها إيقاف أي سيارة تحمل منتجاً زراعياً أو حيوانياً أو صناعياً…وعدم مساءلتها إلا إذا ارتكبت حادثاً..
حكى لي عمنا شاندو رئيس الجالية الهندية بالسودان …اتمنى أن يكون بخير…أنه شاهد العربات (الهكرات )وهي تجوب القرى لتحمل خروفا أو جوال ذرة بأقل سعر واحيانا تصل الإعفاء لتدخل به المدينة …
العبقرية الهندية تجلّت في أنها وضعت المنشار في العقدة الوسطانية وهي قطاع النقل الرابط بين المنتج والمستهلك وبين حركة الصادر والوارد فازدهرت الزراعة بازدهار التجارة وانتعشت الصناعة فكانت الهند التي نراها الآن …
قلنا بالأمس إن القائمين على أمر الولايات البائسة وجدوا أنفسهم وهم يملكون سلطة واسعة تصل مرحلة التشريعات المالية مع مركز ظالم جعل الإيرادات مركزية فوجدوا فرصتهم في قطاع النقل… لأن العربة المحملة بالخضروات والمحاصيل والحيوانات مضطرة ان تدفع ما يفرض عليها من اتاوة حتى لا يتلف ما تحمله …يعني كما نقول أصبحت المحركات حيطتهم القصيرة وهاك يا ردم …
المطلوب الآن مننا في السودان أن نحذو حذو الهند فنقطع حبل الازمة في مكان رقيق …وجعل أي متحركة تحمل بصل أو ليمون أو سخيلات كأنها هيئة دبلوماسية… يعني ذي عمنا فضل الله الذي كانت عربته تسير بالحد الأدنى من المطلوبات فهي تتحرّك بالليل من عدم الانوار وتقوم دفرة… فرامل بيالطيف يمكنه أن يدخل بها العاصمة والقشة ما تعتبر ليه ..العلم الهند يعلمنا ..






