عودة السفارات إلى العاصمة تبدّد شائعات غياب الاستقرار الأمني..البعثات الدبلوماسية..«دروب الرجعة جيّابة»

عودة السفارات إلى العاصمة تبدّد شائعات غياب الاستقرار الأمني

البعثات الدبلوماسية..«دروب الرجعة جيّابة»

الخطوة… إشارات طمأنة تتجاوز البيانات

سفراء يعودون … رسائل ثقة وحضور الدولة

من الشوارع إلى المقار الرسمية… مشاهد الحياة تعزز ثقة الأجانب

حراك دبلوماسي متسارع… ربط الخرطوم بالعالم

اكتمال انتقال الخارجية.. الدولة تستعيد مركزها

تقرير :رحمة عبدالمنعم
بعد أعوامٍ ثقيلةٍ من الحرب التي أرهقت العاصمة السودانية وأخرجت البعثات الدبلوماسية من مقارها، تعود الخرطوم اليوم لتفتح أبوابها من جديد أمام العالم، لا بالشعارات، بل بحضور السفراء داخل مكاتبهم وبين شوارعها، في مشهدٍ يحمل أكثر من دلالة، تتقدم خطوات استئناف العمل الدبلوماسي كإحدى أبرز علامات التحول على الأرض، حيث بدأت سفارات عربية وأجنبية في العودة التدريجية، مدفوعة بواقع جديد يعكس تحسناً في الأوضاع، ويؤكد أن العاصمة، رغم ما أصابها، تستعيد موقعها الطبيعي كمركز للقرار والتواصل الدولي.
البعثات الدبلوماسية
وبعد ثلاثة أعوام من اندلاع الحرب التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع و عصفت بمفاصل الدولة وأجبرت البعثات الدبلوماسية على المغادرة، بدأت العاصمة السودانية تستعيد موقعها على خارطة العمل الدبلوماسي، في مشهد يتجاوز الرمزية إلى دلالات سياسية وأمنية عميقة.
وفي هذا السياق، وصل سفير الجمهورية اليمنية لدى السودان، عمر المداوي، إلى الخرطوم، اول امس السبت، متفقداً مقر سفارة بلاده الذي تعرّض لأضرار خلال فترة الحرب، في خطوة تحمل رسائل ثقة بعودة مؤسسات الدولة وقدرتها على تأمين البعثات الأجنبية، ووثّقت السفارة لحظات الوصول، في مشهد يعيد فتح صفحة جديدة من الحضور الدبلوماسي العربي داخل العاصمة.
ولم تكن الخطوة اليمنية معزولة، إذ أعلنت السفارة الألمانية أن سفيرها عاد إلى الخرطوم في أول زيارة منذ اندلاع الحرب، بهدف الوقوف ميدانياً على الأوضاع، وإعادة بناء قنوات التواصل مع الشركاء المحليين والدوليين، وأكدت أن هذه الزيارة تعكس حرص برلين على فهم الواقع بصورة مباشرة، وتقييم الاحتياجات الراهنة بما يدعم التنسيق مع المؤسسات السودانية والمنظمات الدولية.
وأعلنت تركيا استئناف عمل سفارتها من داخل الخرطوم، لتكون من أوائل البعثات التي تباشر مهامها رسمياً من العاصمة، وبحث والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، مع السفير التركي الفاتح يلدز، الترتيبات النهائية لعودة العمل الدبلوماسي، مؤكداً التزام حكومة الولاية بتوفير التسهيلات اللوجستية والمقار البديلة، بما يضمن استمرارية الأداء الدبلوماسي ودعم جهود إعادة الإعمار.
قلب العاصمة
وتتسع دائرة العودة الى العاصمة مع استئناف السفارة الصينية نشاطها،حيث حضر القائم بالأعمال الصيني شيو جيان، وقام بجولة ميدانية شملت عدداً من المواقع الحيوية في الخرطوم، من بينها السوق المركزي، وموقف جاكسون، وقاعة الصداقة، وسوق أم درمان،وقدمت الجولة صورة حية لعودة النشاط التجاري والخدمي، وانتظام حركة المواصلات، ووجود المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، في رسالة عملية للمجتمع الدولي تتجاوز البيانات الرسمية إلى المعاينة المباشرة.
وكانت دولة قطر سباقة في هذا المسار، إذ أعادت سفارتها إلى الخرطوم في وقت مبكر، حيث قام السفير محمد إبراهيم السادة برفع العلم القطري فوق مبنى السفارة، بعد الوقوف على حجم الأضرار التي خلفتها الحرب، في خطوة اعتُبرت حينها مؤشراً أولياً على كسر عزلة العاصمة.
وفي مؤشر مؤسسي لا يقل أهمية، كشف مصدر دبلوماسي رفيع عن اكتمال انتقال وزارة الخارجية السودانية إلى الخرطوم بنسبة 100%، في خطوة تعزز مركزية القرار الدبلوماسي، وتؤكد عودة الدولة لممارسة مهامها من قلب العاصمة.
تحركات متسارعة
وهذه التحركات المتسارعة لا يمكن فصلها عن التحسن الميداني الذي فرضه تقدم القوات المسلحة واستعادة السيطرة على مفاصل حيوية، الأمر الذي انعكس مباشرة على مستوى الأمن والاستقرار، ودفع بعثات دبلوماسية وازنة إلى إعادة تقييم مواقفها والعودة تدريجياً.
وفي هذا السياق،عبّر الدبلوماسي اليمني علوي الباشا عن هذه اللحظة بلغة وجدانية، قائلاً في صفحته على منصة (أكس): إن الخرطوم كالمارد، كلما واجهت الخطر، عادت كطائر العنقاء من تحت الركام، مهنئاً السفير عمر المداوي وطاقم السفارة بعودتهم إلى مقرهم بعد ما طالته الاعتداءات، في واحدة من أكثر فصول المدينة إيلاماً.
وأضاف مستحضراً ذاكرته مع الخرطوم، أنه زارها في مناسبتين ضمن وفد البرلمان العربي، إحداهما خلال انعقاد دورة برلمانية في قصر الصداقة في عهد الرئيس السابق عمر البشير، والأخرى في أعقاب الاحتجاجات خلال فترة التحولات السياسية، مؤكداً أن المدينة ظلت حاضرة في وجدان العمل العربي المشترك.
تبديد الشائعات
ويرى مراقبون أن عودة السفارات الأجنبية إلى الخرطوم بهذا النسق المتسارع بدّدت عملياً شائعات الانفلات الأمني التي رُوِّج لها خلال الفترة الماضية، مؤكدين أن هذه الخطوات لا يمكن أن تتم دون توفر حدٍّ معتبر من الاستقرار على الأرض.
ويشير هؤلاء إلى أن استئناف العمل الدبلوماسي من داخل العاصمة يحمل رسائل متعددة، أبرزها أن الأوضاع تمضي نحو الأفضل، وأن مؤسسات الدولة استعادت زمام المبادرة، إلى جانب كونه إشارة واضحة للمجتمع الدولي بأن الخرطوم باتت مهيأة لمرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار، واستعادة العلاقات، والانخراط مجدداً في محيطها الإقليمي والدولي.
وبينما تستمر بعض الأصوات في الترويج لغياب الأمن، تأتي هذه العودة المتتالية للبعثات الأجنبية لتقدم دليلاً ميدانياً مضاداً، عنوانه أن الخرطوم، رغم الجراح، استعادت قدرتها على استقبال العالم… والتحدث إليه من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top