تشهد صراعاً دموياً تتداخل فيه عوامل قبلية واقتصادية وسياسية كاودا.. «النار ولعت»

تشهد صراعاً دموياً تتداخل فيه عوامل قبلية واقتصادية وسياسية

كاودا.. «النار ولعت»

مناجم الذهب تشعل حرباً داخلية في قلب جبال النوبة

المواجهات..فتح أبواب الانقسام في مناطق الحركة

نائب الحلو يرفض الحسم العسكري ويعتصم بمنزله..تصاعد التوتر

نميري: تيار إصلاحي يسعى للإطاحة بالحلو وإعادة الترتيب

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

تشهد منطقة كاودا، المعقل الرئيسي للحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، تطورات متسارعة تنذر بانفجار داخلي غير مسبوق، في ظل اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش الشعبي ومجموعات من أبناء قبيلة أطورو، على خلفية صراع متشابك حول الموارد والنفوذ.

أصل الحكاية
واندلعت مواجهات مسلحة عنيفة في منطقة كاودا بجبال النوبة، أسفرت عن مقتل العشرات، إثر تصاعد التوتر بين قيادة الحركة الشعبية شمال ومكونات محلية، أبرزها قبيلة أطورو، التي رفضت قرارات تتعلق بإعادة ترسيم وتوزيع مناطق النفوذ، خاصة في المناطق الغنية بالذهب، وبحسب مصادر محلية، فإن الخلاف تفجّر عقب محاولات لدعم مجموعات أخرى للسيطرة على مناطق تقليدية للأطورو، ما قوبل برفض واسع، دفع قوات الحركة إلى التدخل عسكرياً لنزع سلاح الرافضين، الأمر الذي أدى إلى تصعيد الموقف وتحول الاحتجاج إلى مواجهات مباشرة، خاصة بعد تحصّن مجموعات من أبناء القبيلة في المرتفعات الجبلية بكاودا، ومع اتساع رقعة الاشتباكات، بدأت مؤشرات نزوح عكسي من المنطقة، حيث أفادت تقارير بعودة أعداد من النساء والأطفال نحو مناطق كادوقلي والقرى المجاورة، وسط مخاوف من تفريغ كاودا من المدنيين إذا استمر التصعيد.
صراع موارد
ولا يمكن فهم ما يجري في كاودا بمعزل عن طبيعة الصراع حول الموارد، وعلى رأسها الذهب، الذي بات يشكل محوراً رئيساً للتنافس في المنطقة، وتبرز منطقة (دِبي) الواقعة غرب كاودا، ضمن مقاطعة هيبان بولاية جنوب كردفان، كإحدى أبرز بؤر التوتر، نظراً لاحتوائها على مناجم ذهب نشطة، يعتمد عليها السكان في التعدين التقليدي، وقد تحولت هذه المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، نتيجة محاولات السيطرة على هذه الموارد وإعادة توزيع امتيازاتها، وإلى جانب الذهب، تتمتع كاودا ومحيطها بثروات أخرى تشمل الأراضي الخصبة والموارد الزراعية والمنتجات البستانية بالإضافة إلى الثروة الحيوانية، هذا فضلاً عن المقومات السياحية الطبيعية، التي تشمل مناظر جبلية خلابة وشلالات وغابات، ما يعزز من أهميتها الاقتصادية المستقبلية.
تطورات
وجاء التصعيد الأخير عقب تحركات عسكرية لقيادات الجيش الشعبي، حيث أفادت مصادر محلية أن قوات بقيادة رئيس أركان الجيش الشعبي عزت كوكو حاولت التقدّم نحو مناطق أطورو للسيطرة على مناجم الذهب، غير أن مجموعات من أبناء أطورو بينهم عناصر داخل الحركة نفسها تصدت لهذه القوات، وتمكنت من إلحاق خسائر بها، والسيطرة على مواقع متقدمة، وبحسب المعطيات الميدانية، فإن أبناء أطورو باتوا يفرضون سيطرة فعلية على أجزاء من كاودا، دون إعلان تمرد رسمي، حيث يركزون مطالبهم على إلغاء قرارات ترسيم الحدود، خاصة في منطقة دِبي، وهو ما يعكس أن الصراع لا يزال في إطاره السياسي الداخلي، رغم طابعه العسكري.
تعقيدات الصراع
وكشف عمار ناصر نميري، عضو مجلس التحرير القومي السابق بالحركة الشعبية، عن أبعاد أعمق للصراع، ونوه في إفادته للكرامة إلى أن اكتشافات الذهب الأخيرة في كاودا، ووجود شركات أجنبية تهبط بطائرات خاصة في كاودا، يُشرف عليها شخص يُدعى الإحيمر غلفان أسهمت في تأجيج الأزمة، وأكد نميري أن عدداً من القيادات العسكرية من أبناء أطورو داخل الجيش الشعبي، من بينهم العميد أيوب موسى، والعميد سليمان زكَّا، والعميد مبارك بولس، والعقيد فيلب بطرس، رفضوا ما وصفوه بـفرية ترسيم الحدود، وأشار إلى أن اجتماعاً عُقد بقيادة نائب رئيس الحركة الشعبية جقود مكوار انتهى بتوجيهات من الحلو بحسم الموقف عسكرياً، إلا أن جقود رفض الانخراط في المواجهة، واعتصم بمنزله، كما رفضت الأمر قيادات من مكونات أخرى (المورو، طجو، أجرون، لمون، وأنقولا) المشاركة في القتال، ما يعكس انقساماً واسعاً داخل الحركة، وقال عمار نميري إن المعركة الرئيسية دارت في سوق الثلاثاء بمنطقة كودي، حيث كانت قوات الجيش الشعبي تهدف إلى الوصول إلى السجن وتحرير معتقلين بارزين، بينهم العقيد الباقر، الرئيس السابق لاستخبارات قيادة الحركة والذي وجه عبد العزيز الحلو بتصفيته لما يمتلكه من معلومات مهمة وخطيرة.
الإطاحة بالحلو
ويمضي عمار ناصر نميري، عضو مجلس التحرير القومي السابق بالحركة الشعبية في سرد روايته للكرامة مؤكداً وجود ما يشبه الإجماع وسط (تيار إصلاحي) داخل الحركة الشعبية، ومن أبناء جبال النوبة، على ضرورة إحداث تغيير في القيادة الحالية، والإطاحة بالقائد عبد العزيز الحلو من قيادة الحركة، وإعلان مصالحة شاملة وعودة القيادات المفصولة أو المعارضة، و إجراء تقييم شامل للتجربة النضالية، ثم تشكيل قيادة انتقالية لفترة تتراوح بين 6 أشهر إلى عام، والتحضير لمؤتمر عام لإجازة تعديلات دستورية تعيد هيكلة الحركة.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. تكشف التطورات الأمنية الجارية حالياً بمنطقة كاودا عن تحول نوعي في طبيعة الصراع داخل الحركة الشعبية شمال، من مواجهة خارجية إلى صراع داخلي متعدد الأبعاد، تتداخل فيه العوامل القبلية، والاقتصادية، والسياسية، ما يضع كاودا اليوم على مفترق طرق، إما احتواء الأزمة عبر تسوية داخلية تعيد ترتيب البيت التنظيمي، أو الانزلاق نحو صراع مفتوح قد يعيد رسم خريطة النفوذ في منطقة جبال النوبة بالكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top