موجات استسلام جماعية وفردية
المليشيا … تآكل وانهيار
تسليم قائد التمرّد في بارا.. ضربة جديدة
احتجاجات وسط الحواضن المجتمعية..تمييز قبلي
مراقبون:تزايد الانشقاقات بسبب الخسائر وقوة ضربات الجيش
تقرير : ضياءالدين سليمان
شهدت محاور القتال خلال الفترة الماضية تطوّرات ميدانية عديدة على مسار العمليات في السودان الأمر الذي جعل قوات الجيش تمسك بزمام المبادرة العسكرية .
وبعد تقدم الجيش في عدد من محاور القتال وتحقيق أهداف عسكرية ضمن خطته الرامية إلى دحر المليشيا وتكبيدها خسائر فادحة وهزائم ساحقة ،جرت تحوّلات متسارعة على صعيد محاور القتال المختلفة أبرزها تزايد حالات استسلام مجموعات من عناصر مليشيا الدعم السريع وتسليمها للقوات المسلحة في مشهد يعكس تغيرات واضحة في موازين القوى على الأرض، ويشير إلى تصاعد الضغوط العسكرية والمعنوية التي تواجهها المليشيا في عدد من محاور القتال.
استسلام
ووفقاً لمصادر ميدانية استقبلت وحدات الجيش خلال الفترة الماضية دفعات متتالية من عناصر المليشيا المستسلمين، بعضهم سلّموا أنفسهم بشكل جماعي، مصحوبين بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة، بينما جرت عمليات أخرى بعد اشتباكات مباشرة وضغط عمليات مكثف في مناطق مختلفة.
قائد بارا
في مشهد يعكس حجم التصدّع وزلزال التشظي الذي يضرب مليشيا الدعم السريع من الداخل اعلن القائد الميداني بشارة الهويرة إنسلاخه عن صفوف المليشيا وانضمامه إلى القوات المسلحة السودانية رفقة عدد من السيارات القتالية بكاملِ عتادها الحربي في خطوة وصفت بأنها رسالة ميدانية وسياسية بالغة الدلالة.
ولا يُعدّ الهويرة قائداً عادياً في التسلسل الهرمي للمليشيا فهو القيادي الأول المسؤول عن محور بارا بشمال كردفان الذي أحد أكثر المحاور حيوية واستراتيجية في خارطة عمليات الدعم السريع بالإقليم.
و يُمثّل الهويرة ركيزة قيادية أساسية يعتمد عليها ال دقلو، لا سيما بعد إزاحة القائد علي دود بحيري وإيقافه بسبب اتهامات تتعلق بتواصله مع أجهزة استخبارات الجيش السوداني.
ويمثل بشارة الهويرة ثقلاً ميدانياً في كردفان فهو قائد ميداني تكتيكي و صاحب نفوذ حقيقي على أرض المعركة في محور بارا أحد أعقد المحاور الجغرافية وأكثرها تشابكاً قبلياً وأمنياً.
وتشير المعلومات الميدانية بإن انسلاخه الهويرة يكون هذا المحور قد فقد قيادته الأولى والثانية في غضون أشهر قليلة لا سيما و أن الانسلاخ لم يكن هرباً أو تسللاً فردياً بل تحرك منظم بعتاد قتالي يُقدَّر بـ”11″ عربة مسلحة بكامل ذخيرتها، مما يعني أن القرار مدروس ومنسق مسبقاً، ولم يكن نتيجة ضغط لحظي.
دلالات
ويحمل إنضمام مجموعة الهويرة دلالات عديدة فعلى المستوى الميداني فإن عدد السيارات القتالية عتادها تعد خسارة عسكرية مباشرة يصعب تعويضها في خضم المعارك لا سيما وانها جاءت محور قتالي نشط مما يعني أن الجيش تستلم قوة جاهزة للعمل مباشرة في المنطقة ذاتها
فيما تشير الخطوة إلى حجم الانهيار والتفكك الذي يضرب المليشيا من الداخل و أن حالة فقدان الثقة باتت تطال حتى القيادات المقرّبة التي كانت تمثل أعمدة أساسية في المحاور القتالية وهي رسالة واضحة بأن كثيراً من القيادات داخل المليشيا بدأت تراجع حساباتها وتقتنع بأن المشروع الذي يقوده ال دقلو لا يخدم السودان ولا أهل دارفور وكردفان وإنما ينفذ أجندة خارجية دفع ثمنها المواطن السوداني من دمه وأمنه واستقراره.
كما أن للخطوة دلالات اجتماعية تشير إلى تآكل تدريجي للحاضنة الاجتماعية المكونة للدعم السريع تدريجياً لا سيما وأن القادة المنسلخين عن المليشيا ينتمون إلى قبائل ظلت تشكّل حاضنة اجتماعية الأمر الذي سيتحول معه الدعم السريع من قوة تستمد شرعيتها من جذور اجتماعية، إلى مجموعة مسلحة تفتقر إلى السند الأهلي.
مجموعات أخرى
وأكدت مصادر ميدانية إن عمليات استسلام عناصر مليشيا الدعم السريع لم تقتصر فقط على محاور القتال في كردفان التي تشهد عمليات عسكرية مكثفة بل كانت هنالك عمليات استسلام متزامنة حدثت في دارفور حيث سلمت مجموعة في محور الطينة قبل أيام وتم تأمين استسلامهم.
وكشف ذات المصادر عن وجود مجموعة أخرى تتفاوض الآن للاستسلام تقدر بسرية وتتواجد في محور مهم، مشيراً الي توالي عمليات الاستسلام وسط الشباب المغرر بهم من قبل آل دقلو وانحيازهم لوضع السلاح والانصياع للقانون.
وتؤكد المصادر أن وتيرة الاستسلام في تصاعد مستمر، خصوصاً في المحاور التي شهدت عمليات عسكرية مكثفة خلال الأيام الأخيرة.
ضغط عسكري
ويرى مراقبون أن تزايد حالات الاستسلام يعكس حجم الضربات التي تلقتها المليشيا في الفترة الأخيرة، حيث تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، إلى جانب فقدانها مواقع استراتيجية كانت تمثل نقاط ارتكاز مهمة لتحركاتها.
وتشير التقديرات إلى أن العمليات العسكرية المركزة التي نفذها الجيش خلال الفترة الماضية لاسيما في كردفان أسهمت في إضعاف القدرات القتالية للمليشيا، وقطعت طرق الإمداد، ما أدى إلى تراجع قدرتها على الصمود لفترات طويلة.
كما لعبت السيطرة الميدانية وتقدم القوات في عدد من الجبهات دوراً في تضييق الخناق على مجموعات المليشيا، الأمر الذي وضع عناصرها أمام خيارات محدودة، كان أبرزها الاستسلام كخيار لتفادي مزيد من الخسائر.
انهيار
وأفاد عدد من المستسلمين كشفت عن تدهور الأوضاع داخل صفوف المليشيا، حيث أشاروا إلى نقص الإمدادات الغذائية والطبية، وتأخر المستحقات المالية، إضافة إلى ضعف القيادة والسيطرة، وتباين الأوامر الميدانية، هذه العوامل مجتمعة أسهمت في انخفاض الروح المعنوية، وزيادة الشعور بالإحباط، ودفع بعض المقاتلين إلى البحث عن مخرج آمن عبر الاستسلام.
ويقول الدكتور خالد الطريفي استاذ العلوم السياسية إن الحروب الطويلة عادة ما تفرِز مثل هذه الظواهر، حيث يؤدي الاستنزاف المستمر إلى تفكّك التماسك الداخلي، وظهور حالات فرار أو استسلام، خصوصاً عندما تتراجع فرص تحقيق مكاسب ميدانية.
تأثيرات ميدانية
ويرى اللواء شرطة معاش ادم محمد أن استمرار موجة الاستسلام سيكون له تأثير مباشر على مجريات العمليات إذ يؤدي إلى إضعاف القوة البشرية للمليشيا، وتقليص قدرتها على المناورة والانتشار، إضافة إلى تأثيره المعنوي على بقية المقاتلين، حيث يمكن أن يعزز الشعور بعدم جدوى القتال.
كما قد يتيح ذلك للقوات المسلحة توسيع نطاق سيطرتها في عدد من المناطق، وتأمين مواقع استراتيجية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على سير العمليات العسكرية، ويقرّب من حسم بعض الجبهات.






