السفير بحث مع وزير الخارجية الأريتري الأوضاع بالسودان
أسمرا والخرطوم.. رفض التدخلّات الخارجية
تفاهمات أمنية لاحتواء التصعيد في المنطقة..تأمين البحر الأحمر
السفير عبد البارئ: الاعتداءات الأثيوبية انتهاك وخرق للقانون الدولي
الوزير الإرتيري: ندين الاعتداء الإثيوبي وندعم السودان ومؤسساته
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
بحث سفير السودان لدى أريتريا السفير أسامة أحمد عبد البارئ مع وزير الخارجية الأريتري عثمان صالح محمّد، تطورات الأوضاع في السودان، والاعتداءات التي استهدفت مطار الخرطوم الدولي وعدداً من المنشآت الحيوية والأعيان المدنية، وسط اتهامات مباشرة لأثيوبيا بتنفيذ تلك الهجمات بدعم وإسناد إماراتي، وجاء اللقاء بحضور رفيع المستوى ضم المدير العام لإدارة شمال أفريقيا والشرق الأوسط بوزارة الخارجية الإريترية، إلى جانب نائب رئيس البعثة السودانية، في مؤشر واضح على الأهمية التي يوليها البلدان لتنسيق المواقف وتبادل التقديرات السياسية والاستراتيجية في ظل التعقيدات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
مواجهة التهديدات
ويحمل لقاء السفير السوداني والوزير الأريتري أبعاداً تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي، إذ يأتي في ظل العداء السافر الذي تكنه أثيوبيا لكل من السودان وأريتريا، عبر سياسات إقليمية تصعيدية وتحركات أمنية وعسكرية تهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويرى متابعون أن الخرطوم وأسمرا باتتا تنظران إلى التطورات الأخيرة باعتبارها جزءاً من مشروع إقليمي يستهدف إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة عبر إضعاف الدول المركزية واستنزافها أمنياً واقتصادياً، الأمر الذي يفرض على البلدين رفع مستويات التنسيق السياسي والأمني وتوحيد الرؤى لمواجهة التحديات المشتركة، ويكتسب هذا التنسيق أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي الحساس للسودان وأريتريا، وتشابك ملفات الأمن الحدودي وأمن البحر الأحمر، إلى جانب المخاوف المشتركة من اتساع نطاق الفوضى وعدم الاستقرار بفعل التدخلات الخارجية.
علاقة إثيوبيا بالميليشيا
ومنذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل 2023م، اتخذت أثيوبيا موقفاً داعماً لميليشيا الدعم السريع، عبر مسارات سياسية ودبلوماسية وعسكرية متعددة، فقد فتحت أديس أبابا أروقة الاتحاد الأفريقي أمام الميليشيا وحلفائها السياسيين من تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) التي تمحورت إلى ( تقدّم) و(صمود) و( تأسيس)، واستضافت أديس أبابا قادة الدعم السريع وقيادات التحالف المدني في أكثر من مناسبة وتحت مسميات مختلفة، في وقت كانت فيه الحكومة السودانية تتهم تلك القوى بالعمل على شرعنة التمرد وإيجاد غطاء سياسي له، وسمحت أديس أبابا بقيام معسكر (بني شنقول) الذي ترعاه الإمارات داخل الأراضي الإثيوبية، لتدريب المرتزقة وعناصر الميليشيا المتمردة، وهو المعسكر الذي انطلقت منه هجمات استهدفت منطقة الكرمك بولاية النيل الأزرق، الأمر الذي تعتبره الخرطوم تهديداً مباشراً للأمن السوداني والأريتري على حد سواء.
أدلة دامغة
وأكد السفير أسامة أحمد عبد البارئ خلال لقائه بالوزير الأرتيري أن الاعتداءات الأخيرة تمثل انتهاكاً خطيراً لسيادة السودان وخرقاً صريحاً للقانون الدولي، مشيراً إلى أن الأجهزة الرسمية السودانية تمتلك أدلة دامغة تثبت تورط كل من الإمارات وأثيوبيا في العدوان على السودان، وأدان السفير استهداف المنشآت المدنية، وعلى رأسها مطار الخرطوم الدولي، ومصنع الإيثانول التابع لشركة سكر كنانة، إضافة إلى مناطق بولايتي النيل الأبيض والنيل الأزرق، بالإضافة إلى استهداف بمناطق بولايتي شمال وجنوب كردفان، مبيناً أن الطائرات المسيّرة المستخدمة في تلك الهجمات انطلقت من مطار بحر دار الأثيوبي، ونوه السفير عبد البارئ إلى أن الجهات الفنية المختصة في السودان جمعت بيانات وتحليلات فنية تؤكد انطلاق تلك المسيّرات من داخل الأراضي الأثيوبية، معتبراً أن استهداف البنى المدنية يهدف إلى بث الذعر وعرقلة عودة السودانيين من دول المهجر، خاصة بعد تزايد أعداد العائدين خلال الفترة الأخيرة والتي قال إنها أوغرت صدور قادة الميليشيا والدول الداعمة لها، مبيناً أن تلك الاعتداءات تسعى إلى وقف موجة العودة وإرباك المشهد الداخلي في السودان، وأكد السفير أن السودان سيرد الصاع صاعين في التوقيت المناسب وبالكيفية التي تراها قيادة الدولة، مشيراً إلى أن الخرطوم شرعت بالفعل في اتخاذ جملة من الخطوات والتدابير التي سيتم استكمالها خلال الفترة المقبلة، مع التشديد على أن ما يجري لا يمكن فصله عن البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان.
تهديد إقليمي
وشدد السفير أسامة أحمد عبد البارئ على أن الهجوم الأثيوبي الإماراتي المشترك على السودان لا يمثل تهديداً ثنائياً فحسب، بل يطال مجمل منظومة الأمن الإقليمي في منطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مبيناً أن أي تصعيد أثيوبي ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن القومي الأريتري، بحكم التداخل الجغرافي وتشابك الملفات الأمنية، بما في ذلك قضايا الحدود وأمن البحر الأحمر، ما يتطلب يقظة جماعية وتنسيقاً وثيقاً بين الدول المتأثرة، ودعا السفير إلى بناء مقاربة مشتركة بين الخرطوم وأسمرا للتعامل مع التحديات الإقليمية، تقوم على التنسيق الاستباقي وتوحيد الرؤى السياسية والأمنية، بما يحفظ المصالح الاستراتيجية للبلدين ويعزز الاستقرار في محيطهما الإقليمي.
دعم إريتري للسودان
وفي السياق، أبدى وزير الخارجية الأريتري عثمان صالح محمد اهتماماً واضحاً بما طرحه السفير السوداني، مؤكداً حرص بلاده على أمن واستقرار السودان باعتباره عنصراً محورياً في أمن المنطقة، وشدد الوزير الأريتري على أهمية تعزيز آليات التشاور السياسي بين البلدين بما يسهم في احتواء التوترات ومنع انزلاقها إلى مستويات أوسع تهدد الإقليم بأكمله، كما أكد دعم أريتريا القوي والمبدئي والصلب للسودان ومؤسساته السيادية، مع إدانة بلاده للاعتداءات التي تستهدف السودان، معتبراً أنها تمثل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار المنطقة، ووفقاً لمراقبين فإن الموقف الإريتري يعكس تقارباً متزايداً مع الخرطوم في قراءة المشهد الإقليمي، خاصة في ظل المخاوف المشتركة من تنامي النفوذ الأثيوبي المدعوم خارجياً وتأثيره على معادلات الأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. يكشف لقاء السفير السوداني، بوزير الخارجية الأريتري، عن تحرك دبلوماسي سوداني متسارع لإعادة بناء شبكة تحالفات إقليمية في مواجهة العدوان المنظم الذي يستهدف سيادتها واستقرارها، كما يعكس اللقاء إدراكاً سودانياً وأريترياً متزايداً بأن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً معزولاً، بل أصبحت جزءاً من صراع إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية والمصالح الدولية والإقليمية، الأمر الذي يتطلب من الخرطوم وأسمرا السعي إلى بناء جبهة تنسيق سياسي وأمني قادرة على مواجهة التحديات المشتركة ومنع انزلاق الإقليم إلى مرحلة أكثر اضطراباً وتعقيداً.






