صندوق أسرار المليشيا في حضن الوطن
انشقاق السافنا.. صفعة جديدة
الخطوة تسهم في تفكك المليشيا..أزمة عميقة
تخوين متبادل وفساد وعنصرية..عوامل انهيار
خبير :السافنا يمتلك معلومات مهمة عن المليشيا
تقرير : ضياءالدين سليمان
أعلن القائد الميداني البارز علي رزق الله المعروف بـ”السافنا” انشقاقه رسمياً عن مليشيا الدعم السريع في خطوة تمثل ضربة معنوية وأمنية جديدة للمليشيا، خاصة وأن الرجل يُعد من أبرز القيادات الميدانية ذات النفوذ الواسع في إقليم دارفور.
وجاء إعلان “السافنا” عبر مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي قال فيه بوضوح: “من اليوم ليس لي علاقة بالدعم السريع وأعلن انشقاقي الكامل عن هذه القوات، وصوتي هو صوت الشعب السوداني” مضيفًا أن ما يسعى إليه هو “السلام والأمن والاستقرار” مؤكداً في الوقت ذاته أنه لم ينضم لأي جهة عسكرية أخرى.
ورغم أن الرجل لم يكشف بصورة مباشرة عن الأسباب الحقيقية وراء قراره إلا أن خلفيات الانشقاق وتوقيته إلى جانب تصريحاته السابقة تكشف عن أزمة عميقة تضرب بنية الدعم السريع من الداخل.
تفاصيل
ويُعد علي رزق الله “السافنا” من الشخصيات المثيرة للجدل في المشهد الدارفوري المسلّح إذ بدأ مسيرته ضمن الحركات المسلحة التي وقعت اتفاق سلام مع نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2013 وحصل بموجب الاتفاق على رتبة “مقدم” في الجيش السوداني.
غير أن الرجل عاد لاحقًا إلى التمرّد معلناً انضمامه إلى “مجلس الصحوة الثوري” بقيادة الزعيم القبلي موسى هلال قبل أن يتم اعتقاله في عام 2017 مع هلال وعدد من قيادات المجلس، ويُحال إلى محاكمة عسكرية انتهت بفصله من الجيش وتجريده من رتبته.
وبعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 أعادت مليشيا الدعم السريع تدوير الرجل داخل منظومتها العسكرية بعدما أخرجته من السجن حيث كان يواجه اتهامات تتعلق بجريمة قتل عمد ليعود هذه المرة كلاعب مؤثر داخل المليشيا، ويحصل على رتبة “عميد”.
وخلال فترة قصيرة تمكن “السافنا” من بناء نفوذ واسع داخل مناطق شرق دارفور كما ارتبط اسمه بملفات حساسة، أبرزها استقدام مقاتلين أجانب ومرتزقة من دول الجوار بينها جنوب السودان وتشاد والنيجر إضافة إلى قيادته لعمليات عسكرية استهدفت محليتي النهود والخوي بولاية غرب كردفان.
أزمة داخلية
ويبدو أن انشقاق “السافنا” لم يكن قراراً مفاجئاً بل نتيجة تراكمات داخلية ظلت تتزايد داخل بنية الدعم السريع خلال الأشهر الماضية.
ففي تسجيل صوتي سابق علّق “السافنا” على انشقاق اللواء النور القبة، مؤكداً أن الخطوة جاءت نتيجة “الأوضاع الداخلية المتدهورة” داخل المليشيا مشيراً إلى وجود حالة متصاعدة من التهميش وعدم الإنصاف وسط عدد من القيادات والعناصر.
كما تحدث عن أجواء من التخوين المتبادل والصراعات الداخلية إلى جانب انتشار الفساد وتحكم أسرة دقلو في مفاصل اتخاذ القرار وهو ما خلق بحسب حديثه حالة واسعة من الاحتقان والشعور بالإقصاء وسط القيادات الميدانية.
وأوضحت تصريحات السافنا هذه صورة متزايدة الوضوح عن طبيعة الانشقاقات التي ضربت المليشيا خاصة بعد الخسائر العسكرية الكبيرة التي تعرضت لها في عدة محاور الأمر الذي أدى إلى تراجع الروح المعنوية وتصاعد الخلافات بين المكونات القبلية والقيادات العسكرية داخل المليشيا المتمردة
انشقاق ثاني
ويُعتبر انشقاق “السافنا” ثاني ضربة كبيرة تتلقاها مليشيا الدعم السريع خلال أقل من شهرين بعد مغادرة اللواء النور القبة لمواقعه العسكرية في شمال دارفور خلال أبريل الماضي ووصوله لاحقًا إلى مناطق سيطرة القوات المسلحة في الولاية الشمالية معلنًا انضمامه للجيش.
خروج شخصيتين بحجم النور القبة والسافنا يعكس تحولات عميقة داخل بيئة المليشيا لا سيما وسط مكونات المحاميد التي ظل الدعم السريع يعتمد عليها بصورة كبيرة في تشكيل قوته القتالية.
معلومات
وبحسب معلومات تحصلت عليها “الكرامة” فإن الشيخ موسى هلال قد لعب دوراً بارزاً في تحييد عدد من أبناء المحاميد المنخرطين في القتال إلى جانب المليشيا وهو ما أضعف نفوذ آل دقلو داخل بعض مناطق دارفور.
كما زادت حدة التوتر بعد الهجمات التي استهدفت منطقة “مستريحة” المعقل التاريخي للمحاميد وما تبعها من اجتياح الدعم السريع للمنطقة واتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين الأمر الذي عمّق حالة الغضب وسط قطاعات قبلية كانت تُعد حليفاً تقليدياً للمليشيا.
هروب من المركب
ويرى الكاتب الصحفي عزمي عبدالرازق أن طريقة خروج “السافنا” تختلف من حيث الشكل عن انشقاق النور القبة لكنها تتفق معه في الجوهر والمتمثل في فقدان الثقة بمستقبل الدعم السريع وقيادته.
وبحسب عبدالرازق فإن وجود “السافنا” خارج السودان للعلاج ربما ساعده على اتخاذ قرار الانشقاق بعيداً عن الضغوط الأمنية والعسكرية لكن الأهم أنه بات مقتنعاً بأن مشروع الدعم السريع دخل مرحلة الانهيار التدريجي.
ويصف عزمي الخطوة بأنها “هروب من محرقة آل دقلو”، في ظل حالة التآكل التي تضرب المليشيا سياسياً وعسكرياً خاصة مع تزايد الانشقاقات وفرار بعض المجموعات وتسليمها مواقعها وأسلحتها.
ويرى الدكتور خالد الطريفي أن قيمة انشقاق “السافنا” لا تكمن فقط في رمزيته العسكرية بل أيضًا في دلالاته الاستخباراتية والميدانية باعتبار أن الرجل يمتلك معلومات واسعة عن تحركات المليشيا وشبكات الإمداد والتجنيد العابرة للحدود.
مكسب ورفض
ورغم أهمية الخطوة بالنسبة للسلطات السودانية من الناحية العسكرية، إلا أن “السافنا” يظل شخصية مثيرة للجدل بسبب الاتهامات المرتبطة بدوره السابق في العمليات العسكرية والانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع.
ويعتقد بعض ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي أن أي محاولة لإعادة تقديمه في المشهد العام ستواجه بتحديات كبيرة في ظل الصورة الذهنية المرتبطة به باعتباره أحد أبرز الوجوه الميدانية للدعم السريع التي ارتكبت أبشع الجرائم والانتهاكات خلال الحرب.
ومع ذلك ترى فئات واسعة من الناشطين أن تفكيك بنية الدعم السريع يتطلّب استقطاب القيادات المنشقة والاستفادة من حالة التململ الداخلي باعتبار أن ذلك يسرّع من انهيار المليشيا ويضعف قدرتها على مواصلة القتال.






