استهداف المليشيا الممنهج أغرق البلاد في الظلام
الكهرباء ..خسائر بالأرقام
3 مليارات دولار أضرار القطاع ..تقرير أممي
انقطاع التيار يصل إلى 40 ساعة .. في العاصمة والولايات
ارتفاع تكلفة مدخلات الطاقة الشمسية..تفاقم المعاناة
مراقبون: استهداف المحولات وخطوط النقل مخطط تخريبي
تقرير:رحمة عبدالمنعم
بين ظلام المنازل وتوقف المستشفيات وتعطل المشاريع الزراعية، تكشف الحرب في السودان يوماً بعد آخر عن وجه جديد من وجوه الدمار الذي طال البنية التحتية والخدمات الأساسية.
فبعد أكثر من ثلاثة اعوام من القتال، أصبح قطاع الكهرباء أحد أكثر القطاعات تضرّراً، عقب استهداف مليشيا الدعم السريع للمحطات التحويلية وخطوط النقل وشبكات الإمداد في عدد من الولايات، مما أدخل ملايين السودانيين في أزمة معيشية خانقة،وفي وقت قدّر فيه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خسائر القطاع بنحو 3 مليارات دولار، تتزايد التحذيرات من التداعيات الإنسانية والاقتصادية لانهيار منظومة الكهرباء.
حجم الدمار
وكشفت دراسة حديثة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن حجم الدمار الكبير الذي أصاب قطاع الكهرباء في السودان جراء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام ، مقدّرة الخسائر بنحو ثلاثة مليارات دولار، في وقت يعيش فيه ملايين السودانيين أوضاعاً إنسانية ومعيشية بالغة التعقيد بسبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وانهيار البنية التحتية للطاقة في معظم أنحاء البلاد.
وقالت الدراسة التي نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الاثنين 18 مايو 2026، إن الحرب دفعت آلاف الأسر التي كانت تعتمد على الشبكة العامة للكهرباء إلى العيش في “ظلام دامس”، بعد تعطل المحطات الرئيسية وخروج أجزاء واسعة من الشبكة القومية عن الخدمة، الأمر الذي أثّر بصورة مباشرة على القطاعات الصحية والزراعية والخدمية والإنتاجية.
وأعرب البرنامج عن قلقه من الانعكاسات الخطيرة لأزمة الكهرباء على القطاع الصحي، خاصة سلاسل التبريد داخل العيادات والمراكز الطبية المخصصة لحفظ الأدوية واللقاحات، إلى جانب توقف مضخات الري في المشاريع الزراعية بسبب انعدام الوقود وارتفاع أسعار الديزل بصورة غير مسبوقة.
الطاقة الشمسية
وبحسب الدراسة، فإن الأزمة دفعت قطاعات واسعة من المواطنين والمزارعين وأصحاب الأعمال الصغيرة إلى الاتجاه نحو الطاقة الشمسية باعتبارها البديل الأكثر توفرًا في ظل انهيار الشبكة الكهربائية وارتفاع تكاليف الوقود، وأشار البرنامج إلى تضاعف واردات الألواح الشمسية خلال فترة الحرب، إلى جانب ظهور شركات صغيرة ومتوسطة متخصصة في حلول الطاقة البديلة داخل المدن والولايات الآمنة نسبياً
وأوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن دراسة بعنوان “سلاسل القيمة للطاقة الشمسية في السودان” اعتمدت على بيانات تجارية ومسوح ميدانية ومقابلات مع مستوردين وفنيين ومؤسسات صغيرة في مختلف أنحاء البلاد، خلصت إلى أن الطاقة الشمسية يمكن أن تمثل مدخلًا مهمًا للتعافي الاقتصادي وزيادة الإنتاج الغذائي وتحسين الدخول، شريطة توفير التمويل والاستثمارات والسياسات الداعمة لتوسيع نطاق الاستفادة منها.
ووفقًا للدراسة، فإن انتشار الطاقة الشمسية في السودان قبل الحرب كان محدودًا بسبب اعتماد البلاد على الكهرباء المدعومة والديزل منخفض التكلفة، لكن الحرب غيّرت المعادلة بصورة كاملة، بعد انهيار أجزاء واسعة من الشبكة القومية وندرة الوقود وارتفاع أسعاره.
ورغم الانخفاض العالمي الكبير في أسعار الألواح الشمسية بالدولار الأمريكي خلال السنوات الأخيرة، فإن التراجع الحاد في قيمة الجنيه السوداني أدى إلى ارتفاع أسعارها محلياً
وأشارت الدراسة إلى أن سعر اللوح الشمسي بقدرة 550 واط ارتفع من نحو 75 ألف جنيه قبل الحرب إلى حوالي 330 ألف جنيه حاليًا، بينما قفز سعر البطارية سعة 200 أمبير/ساعة من 250 ألف جنيه إلى نحو 900 ألف جنيه، ما جعل الحصول على هذه التقنيات أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لمعظم المواطنين والشركات الصغيرة.
أزمة الكهرباء
وخلال الأيام الماضية، تصدرت أزمة الكهرباء اهتمامات الشارع السوداني، بعد انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة امتدت في بعض الولايات إلى يومين متواصلين، بينما تجاوزت فترة الانقطاع في ولايات أخرى أربعين ساعة بسبب الأعطال الفنية وتراجع الإنتاج الكهربائي.
وزادت موجات الحرارة المرتفعة من معاناة المواطنين، مع تزايد الحاجة إلى الكهرباء لتشغيل أجهزة التبريد والمرافق الصحية، خاصة المستشفيات التي واجهت بدورها انقطاعات طويلة أثّرت على الخدمات الطبية والعمليات الحيوية.
ويرى مراقبون أن ما تعرض له قطاع الكهرباء في السودان لم يكن مجرد أضرار جانبية للحرب، بل يمثل تدميرًا ممنهجاً للبنية التحتية الاستراتيجية، نفذته مليشيا الدعم السريع عبر استهداف المحطات الرئيسية والمحولات وشبكات النقل الكهربائي في عدد من الولايات.
ويقول مراقبون إن المليشيا تعمدت ضرب قطاع الكهرباء لإضعاف الخدمات الأساسية وشل الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية، مشيرين إلى أن الهجمات شملت قصف محولات ومحطات رئيسية باستخدام المسيّرات، إضافة إلى عمليات تخريب وسرقات واسعة استهدفت النحاس داخل المحولات وخطوط النقل الكهربائي.
سرقة النحاس
ويعتمد السودان بصورة أساسية على المحطات الحرارية والمائية في إنتاج الكهرباء، غير أن الحرب أدت إلى خروج عدد كبير من هذه المنشآت عن الخدمة، سواء بسبب القصف المباشر أو أعمال التخريب والنهب.
ولم تقتصر الخسائر على العاصمة الخرطوم، بل امتدت إلى عدد من الولايات المتأثرة بالحرب، وعلى رأسها ولاية الجزيرة التي شهدت حريقاً كاملًا لبعض المحطات الكهربائية، إلى جانب سرقة كميات كبيرة من النحاس من المحولات الرئيسية، ما أدى إلى انهيار أجزاء واسعة من الشبكة داخل الولاية.
و تسبب استهداف الشبكات الناقلة للكهرباء والمحولات الرئيسية في انقطاع التيار عن مناطق عديدة لأسابيع متواصلة، الأمر الذي فاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية، وأثّر بصورة مباشرة على المياه والخدمات الصحية والاتصالات والأنشطة التجارية والزراعية.
ويحذر خبراء من أن إعادة تأهيل قطاع الكهرباء في السودان ستتطلب سنوات طويلة واستثمارات ضخمة، في ظل التدمير الواسع الذي طال البنية التحتية، مؤكدين أن استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الانهيار في أحد أهم القطاعات الحيوية المرتبطة بحياة المواطنين والاقتصاد الوطني.






