حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
«في الجزيرة نزرع أسفنا»
قبيل الحرب الحالية بسنوات قليلة بعثت شركة دال بمناديب لها إلى شمال الجزيرة تحديداً القسم الشمالي والشمالي الغربي…. عرضوا على المزارعين فكرة زراعة عدة آلاف من الأفدنة بمحصول الذرة الرفيعة لحاجتهم لها في مطاحن سيقا… عن طريق الشراكة أي ما يسمى بالزراعة التعاقدية أو التشاركية… التي كان معمولاً بها في مشروع الجزيرة… ويمكن تلخيصها في أن تقوم الشركة المتعاقدة بالتمويل ويقوم المزارع بالعمليات الفلاحية… وبعد الحصاد تاخذ الشركة ما دفعته عينا بالسعر المتفق عليه… وللمزارع بقية المحصول يبيعه لها أو يتصرّف فيه كما يشاء…. وهناك عدة صيغ تمت ممارستها وبأشكال مختلفة… المهم فيها أن التعاقد يتم بين المزارع مباشرة والشركة… وتقوم إدارة المشروع بالإشراف والامداد بالمياه وتأخذ أجراً مقابل ذلك.. اجتمع مناديب دال بمناديب مزارعي القسم الشمالي الغربي في ري كاب الجداد… وبمناديب القسم الشمالي باستراحة الروابي الواقعة على طريق الخرطوم مدني في منطقة الجديد الثورة… وعرضوا صيغة ممتازة تقوم بموجبها الشركة بكافة العمليات الآلية من التحضير إلى الحصاد… وتجلب التقاوي المحسنة والمخصّبات والمبيدات… وكلها سوف تنفذ آلياً… ويقوم المزارع بالعمليات الفلاحية مثل (مسك الموية) أي الري والحش أي إزالة الحشائش… وكلاهما سوف يكون خفيفا جداً لجودة التحضير المتوقعة في القنوات الداخلية مثل أبوعشرين وأبوستة…. واستخدام المبيدات.. وقال لهم أحد المهندسين إن شاء الله سوف نرفع لكم إنتاجية الفدان من خمسة جولات إلى خمسة عشر جوال على الاقل..
لقد كانت سعادة المزارعين بهذا العرض المغري… لا توصف لما لشركة دال من إمكانيات وسمعة ممتازة في الإنتاج الزراعي… وفوق ذلك لها قدم راسخة في العمل في مشروع الجزيرة…. إذ كانت من اوائل الشركات الوطنية التي كانت تقوم بعمليات الحرث في مشروع الجزيرة منذ نشاته… والأهم في الموضوع ان الصيغة تجاوزت الشراكات التي كانت سائدة قبلها…إذ التزمت الشركة بإدخال اخر التقانات والدعم الفني.. والمعروف ان ميزة الزراعة التعاقدية ان فيها حفظ لحقوق كافة الأطراف ….ومدتها مؤقتة لموسم واحد …الحكومة تاخذ ضريبة المياه والادارة تاخذ تكاليف الإشراف …والمزارع ياخذ نصيبه من إنتاج أرضه… والشركة تاخذ تكاليفها مع هامش ارباحها …وكل مدة التعاقد حوالي مائة يوم تقريباً في محصول الذرة وثمانية أشهر في محصول القطن… اي تختلف المدة حسب المحصول وبعدها كل قرد يطلع شجرته… المزارع محتفظ بحواشته والحكومة بقنواتها …والادارة بمكاتبها والشركة بآلياتها دون أن تخسر في البنيات الأساسية فلساً واحداً… يعني زيرو مخاطر وفوق كل ذلك المزارع حر ويمكنه ان يزرع على حسابه ويشتري مدخلاته ويبيع محصول في سوق الله اكبر….
عودة لشركة دال.. بعد ذلك اللقاء التعارفي التفاكري بين مناديب الشركة ومناديب المزارعين… ولتثبيت الفكرة الذهبية هذه تم نشر الخبر في الصحف ومعه ترحيب المزارعين وحماس الشركة… واخذت تلفون المهندس المسؤل وإن لم تخن الذاكرة اسمه أيهاب… وهو شاب خلوق أبدع في حديثه مع مناديب المزارعين في اللقاءات التفاكرية… طلبت منه مداخلة تلفزيونية وفي بداية برنامج تلفزيوني كنت أقدمه من قناة النيل الأزرق… في استهلالية البرنامج قلت اليوم لدينا خبر سار عن الجزيرة… ويبدو أن مشروع الجزيرة قد هلّت عليه ليلة القدر… للأسف لم يفلح فنيو البرنامج في الاتصال بايهاب لأن تلفونه كان مغلقاً طوال الحلقة.. بعد الحلقة كرّرت المحاولة دون نجاح.. فادركت أن الفكرة قد تم اغتيالها مع سبق الاصرار والترصّد… ومن يومها وحتى اليوم.. كانت نفسي ومازالت تموت في لقاء السيد أسامة داؤد لمعرفة كواليس ذلك الإعدام لذلك الحلم….
الإنصاف يقتضي أن نذكر هنا أن هناك من بادروا ودخلوا في الزراعة التعاقدية في مشروع الجزيرة دون تردد….. فالسيدان وجدي ميرغني ومعاوية البرير زرعا الاف الافدنة من القطن وفول الصويا وعباد الشمس وقفزا بدخل المزارع قفزات كبيرة… وهناك مستثمر سوري له شركة اسمها الثمر الداني كانت متقدمة جداً في وسط الجزيرة… واخرون أقل حجما منهم عبد الرحمن صاحب مركز السودان للصادرات الذي زرع مئات الأفدنة من البامية في مكتب دلقا واسترحنا للتصدير لأوروبا مباشرة… وكانت حبة البامية (قدر العجورة)… واخرون زرعوا طماطم فكان الإنتاج مذهلاً… صيني زرع بطيخ فسوي العجب.. كلها عن طريق الزراعة التعاقدية…
شخصيا زرعت قطن لموسمين مع معاوية البرير وحققت دخلاً لم تحققه الحواشة من قبل أو بعد.. ولولا بعض الاشكالات الإدارية والفنية لفاق الدخل ما حققه والدي عليه رحمة الله من ذات الحواشة في ١٩٥٣م..تلك السنة التي زلزلت ثبات أهل الجزيرة من (كترة القروش)… فمثلاً القطن الهندي الذي زرعته مع البرير تستمر دورة حياة الشجرة فيه إلى ثلاثة سنوات على الأقل .. حتى لو تركناه بدون ماء في شهري انقطاع الماء عن القنوات… سيعود ويزهر بعد وصول الماء مباشرة… لكن لا… نحن في الجزيرة حُكم علينا بإزالة شجرته نهاية مايو لأن الدورة الزراعية (المقدسة) اقتضت ذلك… وبهذا تذهب شجرته للوقود لعواسة الابري … بعد أن تكون أعطت أقل من عشرة في المية من طاقتها.. وتبكي يا بلدي الحبيب… بهذه المناسبة قابلت السيد معاوية البرير خطفاً قبل مدة في القاهرة فسألته هل من عودة للجزيرة فقال لي جاهزين… لكن حسب علمي الآن أن شركتهم تبيع تقاوي قطن فقط …فإن كان ذلك كذلك يكون أمراً مؤسفاً لأننا نتعشم أن يواصل البرير ووجدي ميرغني والآخرين شراكاتهم في الجزيرة وفي غيرها ..
إن الزراعة التعاقدية كانت فكرة عبقرية… وكان يمكن أن تكون بلسماً يشفي جراح الزراعة في كافة السودان وفي المشاريع المروية بالتحديد… ولكنها لم تجد الارادة السياسية التي تدعمها وتطوّرها… فالانقاذ لم تكن مهتمة أصلاً بالزراعة… فعباقرتها كانوا يرون في الزراعة تخلّفاً… أما مشروع الجزيرة بالنسبة لهم (حمام ميت)… بعد ذهاب الإنقاذ كانت الحكومة الانتقالية تسير علي ذات درب الإنقاذ في الزراعة… أما في الجزيرة كان عداء صانع القرار للزراعة التعاقدية علناً.. ولعل المفارقة ان رئيس الوزراء السيد عبد الله حمدوك في زيارته الوحيدة للجزيرة زوروه وصوروه في حواشة المزارع حق الله بالتكينة كانت بزراعه تعاقدية … مع شركة معاوية البرير…. وبمناسبة التكينة نقول أنها من أكثر قرى الجزيرة استفادة من زراعة القطن عن طريق التعاقدية… وهكذا هي التكينة حفظها الله ورعاها رائدة سلماً وحرباً..
الذي أود قوله من كل السردية أعلاه هو إعادة إعمار السودان… أو حتى بنائه من جديد يمكن أن تبدأ من الجزيرة… وبالزراعة التعاقدية اليوم قبل الغد وبدون أي تكلفة من الدولة… هو أصلاً الدولة ما عندها التكتح… وبدون معونة أو منحة… وبدون مجازفة تذكر من المستثمربن… فكل المطلوب إرادة سياسية وبعد نظر من الذين يديرون مشروع الجزيرة ووعي من المزارع ..






