يواجهون أوضاعاً إنسانية وأمنية معقَّدة
السودانيون في ليبيا.. معاناة ومخاوف
شدّدت الإجراءات.. الحكومة تنفي استهداف السودانيين
استياء وسط اللاجئين ..غياب التفاعل الرسمي
منظمات تبدي قلقها البالغ إزاء حملة الاعتقالات..نداءات
شكاوى من صعوبات ..محدودية فرص العمل وتدني الأجور
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تتفاقم معاناة آلاف السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى اللجوء نحو ليبيا، في ظل أوضاع إنسانية وأمنية معقَّدة تزداد صعوبةً يوماً بعد يوم، وسط حملات أمنية مستمرة تستهدف المهاجرين والأجانب، ومخاوف متزايدة من الترحيل القسري، في وقت تواجه فيه كثير من الأسر تحديات قاسية تتعلق بتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، ومع استمرار تدفق الفارين من الحرب في السودان، أصبحت ليبيا واحدة من أبرز الوجهات التي قصدها السودانيون بحثاً عن الأمان، إلا أن الواقع على الأرض كشف عن تحديات كبيرة تتراوح بين ضعف فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانعدام الحماية القانونية، فضلاً عن تنامي المخاطر الأمنية التي تدفع بعض الشباب إلى التفكير في خوض مغامرة الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط رغم ما تحمله من مخاطر الموت والغرق.
الترحيل القسري
ويبقى الكثير من السودانيين في ليبيا مشدودين على وتر القلق والترقّب بسبب تصاعد حملات التوقيف التي طالت خلال الفترة الأخيرة مئات المهاجرين والأجانب، في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم أوضاع اللاجئين داخل البلاد، وتنبع هذه المخاوف من حقيقة أن ليبيا لا تعترف رسمياً بمصطلح {اللجوء}، كما أنها لا تمتلك قانوناً وطنياً خاصاً باللاجئين، الأمر الذي يجعل وجود أعداد كبيرة من السودانيين في وضع قانوني هش، ويعرضهم للمساءلة والإجراءات الإدارية والأمنية، وأبدى عدد من السودانيين المقيمين في ليبيا استياءً مما وصفوه بضعف التفاعل الرسمي السوداني مع قضيتهم، مؤكدين أن أوضاعهم تتطلب تدخلاً عاجلاً من مجلس السيادة ومجلس الوزراء ووزارة الخارجية للعمل على معالجة الأزمة وفتح قنوات اتصال مباشر مع السلطات الليبية والمنظمات الدولية المختصة، وطالب بعضهم في إفادتهم للكرامة الحكومة السودانية بالنظر في ترتيبات لإجلاء الراغبين في العودة الطوعية إلى السودان، أو إيجاد حلول مماثلة للتجارب التي شهدتها دول أخرى مثل مصر وسلطنة عمان، حيث جرى تقديم تسهيلات ومبادرات لمعالجة أوضاع المواطنين السودانيين المتأثرين بالحرب.
موقف ليبي حازم
وكانت الحكومة الليبية قد أكدت تشددها في التعامل مع ملف الهجرة غير القانونية، معتبرة أن القضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي والسيادة الوطنية، وقطع رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد على أن مكافحة الهجرة غير القانونية والتصدي لمشروعات التوطين تمثل أولوية وطنية عليا لا تقبل التهاون، موجهاً الأجهزة الأمنية والعسكرية وجهاز مكافحة الهجرة بالشروع الفوري في تطبيق القوانين المنظمة للهجرة والأجانب بكل حزم ودون استثناء، وأكد حماد أن الإجراءات المتخذة لا تستهدف اللاجئين السودانيين من الناحية الإنسانية، وإنما تأتي في إطار تنفيذ القوانين واللوائح المنظمة لوجود الأجانب بما يحفظ كرامتهم الإنسانية ويصون سيادة الدولة الليبية وأمنها القومي، كما دعا إلى تكثيف حملات الضبط والتفتيش ومراجعة أوضاع الأجانب واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، مشدداً على رفض أي مشروعات أو ترتيبات تتعلق بتوطين الأجانب داخل الأراضي الليبية، وأكد رئيس الحكومة الليبية رفض بلاده لأي برامج أو تفاهمات تتعلق بالهجرة أو اللجوء أو إعادة التوطين يتم تنفيذها خارج الأطر القانونية الوطنية أو دون موافقة السلطات المختصة، مشيراً إلى أن ليبيا ليست بلداً للتوطين أو إعادة التوطين أو الاستقرار الدائم للمهاجرين المخالفين للقانون، طالب المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام إلى التعاون مع الجهات المختصة والإبلاغ عن المخالفات المتعلقة بدخول وإقامة الأجانب، مع التشديد على ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر وتجفيف مصادر تمويلها.
ناقوس الخطر
وأعربت منظمة مناصرة ضحايا دارفور عن قلقها البالغ إزاء حملة اعتقالات طالت عشرات المهاجرين واللاجئين، بينهم سودانيون ومن جنسيات أخرى، في عدد من المناطق الليبية منذ الأول من يونيو 2026م وما تزال مستمرة، وقالت المنظمة في بيان صحفي إنها تلقت شكاوى من مهاجرين ولاجئين وأفراد من أسرهم تفيد بتوقيف واحتجاز أعداد من الأشخاص في مراكز احتجاز مختلفة، بينهم نساء وأطفال، وسط مخاوف متزايدة بشأن أوضاعهم الإنسانية وظروف احتجازهم، وأوضحت أن المعلومات المتوفرة تشير إلى احتجاز عشرات الأشخاص في مواقع متفرقة داخل ليبيا دون توفر معلومات كافية حول أوضاعهم القانونية أو إمكانية حصولهم على المساعدة الإنسانية اللازمة، وناشدت المنظمة السلطات الليبية مراعاة المعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وحماية اللاجئين والمهاجرين، وضمان سلامتهم وتوفير الرعاية اللازمة لهم، خاصة النساء والأطفال، كما دعت الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية المعنية إلى التدخل العاجل لمتابعة أوضاع المحتجزين والعمل على معالجة أوضاعهم الإنسانية والقانونية وضمان احترام حقوقهم الأساسية، مؤكدة أنها تتابع تطورات القضية عن كثب.
شهادات من الميدان
ويرى الصحفي السوداني جمعة بلال عبد الله، الذي سبق له الإقامة لاجئاً في ليبيا، أن ما يحدث حالياً يأتي في سياق تحولات متسارعة شهدها الملف خلال الأشهر الأخيرة، ويقول جمعة في إفادته للكرامة إن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية الليبية شهدت خلال الفترة الماضية حملات ودعوات متزايدة تطالب الحكومة باتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه المهاجرين غير الشرعيين الذين تزايدت أعدادهم خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وكان السودانيون من بين أبرز الفئات المستهدفة بهذه الدعوات، وأشار إلى أن تقديرات منظمات أممية تفيد بأن عدد السودانيين الذين دخلوا الأراضي الليبية بسبب الحرب تجاوز 300 ألف شخص، ما جعل الملف يحظى باهتمام واسع داخل المجتمع الليبي، وأبان جمعة أن الأيام الماضية شهدت تبلور رأي عام ضاغط داخل بعض الأوساط الليبية ضد المهاجرين، الأمر الذي زاد من مخاوف السودانيين الذين يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة أصلاً، مبيناً أن غالبية السودانيين يتركزون في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي وأجدابيا، إضافة إلى المدن الحدودية التي تستضيف النسبة الأكبر منهم، مشيراً إلى أنهم يواجهون صعوبات اقتصادية كبيرة نتيجة محدودية فرص العمل وتدني الأجور، قبل أن يواجهوا اليوم تحدياً جديداً يتمثل في تصاعد الدعوات المطالبة بإبعادهم عن البلاد.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. تبقى أوضاع السودانيين في ليبيا رهينة توازن دقيق بين الاعتبارات الإنسانية التي تفرض حماية الفارين من ويلات الحرب، وبين السياسات الأمنية التي تتبناها السلطات الليبية لتنظيم وجود الأجانب ومكافحة الهجرة غير القانونية، وفي ظل استمرار الحرب في السودان وتزايد أعداد النازحين واللاجئين، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك سوداني رسمي أكثر فاعلية، وإلى دور أكبر من المنظمات الدولية لإيجاد حلول إنسانية وقانونية مستدامة تحفظ كرامة اللاجئين وتخفف من معاناتهم، وتمنع تحول رحلة البحث عن الأمان، إلى فصل جديد من فصول المأساة والأحزان.






