صور مرصد مشاد تفضح مأساة التعذيب الاخفاء القسري ..جرائم الجنجويد

صور مرصد مشاد تفضح مأساة التعذيب

الاخفاء القسري ..جرائم الجنجويد

“47” ألف معتقل ..أوضاع كارثية

عشرات الآلاف في السجون..الموت البطيء

شهادات تتحدث عن تصفيات وتجويع ..انتهاكات المليشيا

آلاف الأسر تبحث عن مكان أبنائها ..مصير مجهول

تقرير – رحمة عبدالمنعم

فتحت الصور الصادمة التي بثّها مرصد مشاد لحقوق الإنسان نافذة جديدة على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً في السودان، بعدما كشف المرصد عن وجود أكثر من “47” ألف معتقل مدني محتجزين داخل سجون ومراكز احتجاز تتبع لمليشيا الدعم السريع، في ظروف وصفت بأنها بالغة القسوة وتمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
الموت البطيء
وأظهرت الصور المتداولة التي بثها مرصد مشاد الحقوقي، أجساداً أنهكها الجوع والمرض والتعذيب، وملامح بشرية غابت عنها الحياة بعد أشهر طويلة من الاحتجاز القسري والمعاملة المهينة، مشاهد اختزلت حجم المعاناة التي يعيشها آلاف السودانيين بعيداً عن أعين العالم، داخل معتقلات تحولت إلى أماكن للموت البطيء، بحسب إفادات حقوقية وشهادات متطابقة.
ولا تمثل هذه الأرقام مجرد إحصاءات مجردة، بل تعكس مآسي إنسانية لعشرات الآلاف من الأسر التي لا تزال تجهل مصير أبنائها، في واحدة من أكبر قضايا الاختفاء القسري والاحتجاز غير القانوني التي شهدها السودان خلال الحرب الحالية.
وتأتي هذه المعلومات متسقة مع ما كشفه القائد المنشق عن مليشيا الدعم السريع والمنضم إلى القوات المسلحة، علي رزق الله الشهير بـ”السافنا”، خلال مؤتمر صحفي عقد بالخرطوم، حيث تحدث عن وجود آلاف المدنيين والعسكريين داخل سجن دقريس في أوضاع إنسانية خطيرة، مؤكداً أن عدداً من المحتجزين تعرضوا للتصفية داخل السجن،وتشير تقديرات وتقارير حقوقية إلى أن سجن دقريس وحده يضم نحو عشرة آلاف معتقل.
سجون خارج الرقابة
وتتزايد المخاوف بشأن مصير المفقودين والمحتجزين في المناطق التي لا تزال تخضع لسيطرة مليشيا الدعم السريع، وسط تقارير ميدانية تتحدث عن شبكة من مراكز الاحتجاز غير المعلنة المنتشرة في إقليم دارفور وأجزاء من كردفان.
وبحسب مصادر وتقارير محلية، فإن سجن “شالا” الواقع بمحيط مدينة الفاشر يضم نحو تسعة آلاف محتجز، يعيشون في ظروف إنسانية متدهورة، بينما سجلت وفاة ما يقارب 300 شخص نتيجة الإهمال الطبي ونقص الرعاية الصحية، وفق ما أعلنته المقاومة الشعبية بولاية شمال دارفور مطلع فبراير الماضي.
و تحدثت تقارير أخرى عن وجود مواقع احتجاز إضافية في ولايتي جنوب ووسط دارفور، تضم معتقلين من ولايات دارفور وكردفان، إلى جانب مرحلين من ولايتي الجزيرة والخرطوم قبل استعادتهما بواسطة القوات المسلحة، الأمر الذي يعزز المخاوف من اتساع نطاق الاحتجاز القسري وغياب أي شكل من أشكال الرقابة القانونية أو الإنسانية.
انتهاكات ممنهجة
ويرى مراقبون أن ما كشفه مرصد مشاد لا يقتصر على كونه توثيقاً لانتهاكات فردية، بل يشير إلى نمط واسع وممنهج من الانتهاكات التي تشمل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة، وهي ممارسات يحظرها القانون الدولي الإنساني بشكل قاطع.
وتحمّل هذه المعطيات مليشيا الدعم السريع مسؤولية مباشرة عن سلامة جميع المحتجزين والمفقودين في مناطق سيطرتها، باعتبارها طرفاً في الحرب وملزمة قانوناً بحماية المدنيين والكشف عن مصير المحتجزين وضمان حقوقهم الأساسية.
وفي هذا السياق، قال الناشط الحقوقي الطيب عبدون لـ”الكرامة” إن حالات الاختفاء القسري تعد من أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي، وقد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم ضد الإنسانية عندما تتم بصورة واسعة أو ممنهجة.
وأضاف أن ما يجري في السودان اليوم يتطلب تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية لتسليط الضوء على قضية المفقودين والمحتجزين، وممارسة الضغوط اللازمة للكشف عن مصيرهم وضمان سلامتهم وتمكين أسرهم من معرفة الحقيقة.
بحث عن الغائبين
بالتوازي مع ذلك، تشهد منصات التواصل الاجتماعي حراكاً متزايداً من قبل ناشطين وحقوقيين وأعضاء غرف الطوارئ، الذين أطلقوا حملات واسعة للبحث عن المفقودين ونشر صورهم وبياناتهم، في محاولة للوصول إلى أي معلومات قد تقود إلى معرفة أماكن وجودهم أو أوضاعهم الصحية.
ويأتي هذا النشاط في ظل شح المعلومات الرسمية المتعلقة بأماكن الاحتجاز وأعداد المعتقلين الحقيقية، ما يضاعف معاناة الأسر ويزيد من حجم القلق المجتمعي، بينما تتصاعد الدعوات لفتح تحقيقات مستقلة وتدويل ملف المفقودين والمحتجزين.
وتؤكد الصور التي نشرها مرصد مشاد أن قضية المعتقلين لم تعد مجرد ملف حقوقي، بل تحولت إلى جرح إنساني مفتوح يكشف جانباً من الكلفة الباهظة التي يدفعها المدنيون جراء الحرب.
ومع استمرار القتال، تبقى قضية عشرات الآلاف من المحتجزين والمفقودين في سجون مليشيا الدعم السريع واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في السودان، ليس فقط باعتبارها مأساة إنسانية تستوجب الإنصاف والعدالة، بل أيضاً بوصفها اختباراً حقيقياً لاحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وحق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة واستعادة الحرية والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top