د.عبد اللطيف البوني يكتب: «قرية زالنجي»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

«قرية زالنجي»

(1)
عندما قام الانجليز بمسح منطقة مشروع الجزيرة الحالية في ١٩١٠ كان بهدف زراعة القمح… ولكن المتغيرات العالمية المتعلقة بزعامة بريطانيا للعالم يومها جعلتهم يغيرون من القمح الي القطن ..ولقلة السكان في الجزيرة مع اتساع المساحة المزروعة كان لابد من استجلاب عمالة من خارج المنطقة… لاسيما أن القطن ليس كالقمح يحتاج إلى كثافة عمالية خاصة في مرحلة الجني (اللقيط) ..أولت السلطات الاستعمارية مسالة العمالة اهتماماً كبيراً لأنها سوف تحدث تغييراً ديموغرافياً كبيراً …طرح الأمر في مجلس العموم البريطاني اقترح أحدهم أن تستجلب العمالة من جنوب شرقي آسيا حيث الكثافة السكانية والمهارة والمسغبة، ورُفض هذا الاقتراح واستقر الرأي على أن تستجلب من غرب السودان ومن غرب أفريقيا لقرب المسافة وقلة التكلفة…طبعاً لم يذكر أحدا المصريين رغم قربهم وخبرتهم في القطن طويل التيلة فالهدف اصلاً كان فصل السودان عن مصر ..
(2)
قرر الإنجليز ألا يستقر العمال المُستجلبين من غرب السودان وبصورة أكبر من غرب أفريقيا في الجزيرة حتى لا يشكّل وجودهم مشكلة ديموغرافية .. لذلك يجب أن يكونوا عمالاً موسميين ..يسكنون في وسط الحواشات… ألا تكون هناك مباني ثابتة إنما رواكيب من مواد محلية …وفي نهاية الموسم يرجعوا إلى مناطقهم لكي يعودوا مع بداية الموسم الجديد . .ومن هنا جاء ت كلمة كمبو وهي تحريف للمفردة الانجليزية Camp.وكانوا يأتمرون بأمر المفتش ثم المزارع وتسمى تلك الكنابي رسمياً بأسماء الترع (القنوات ) التي تشرب منها ثم يمكن أن يضاف اسم آخر حسب مقتضيات الظروف ..فمثلا الكمبو (القرية فيما بعد) الذي نحن بصدده اليوم يسمى “١٦” اللعوتة واللعوتة اسم القناة ولكنه اشتهر باسم زالنجى…قد تكون لقصة زالنجى قصة .. …ويقع الي جنوب قرية اللعوتة بحوالي خمسة كيلومترات ..
مع تكثيف الزراعة في المشروع وخروج المفتش الانجليزي ليحل محله المفتش الوطني انتهت الرحلة السنوية فاستقر العمال وتحوّلت المساكن من الرواكيب إلى مباني ثابتة …فكمبو زالنجي تحول إلى قرية بها بنايات مسلحة متعدّدة الطوابق وبعضها به سايفون وآخر اسبلت (والرواكيب بقت أكبر من مدن) …طبعاً هذا ليس من العمل في الزراعة فالزراعة ما فيها التكتح لا للمزارع ولا للعامل الزراعي …بل بفضل الاغتراب والعمل في مناجم الذهب..
(3)
علاقة أهل زالنجي بأهل اللعوتة علاقة قديمة وفي منتهى التعايُش السلمي .. إذ كانت زالنجى تعتمد على اللعوتة في شرب ماء البئر ودفن الموتى والطاحونة والتسوق والصحة والتعليم …عندما كنا في الأولية كان في دفعتنا ثلاثة من أولاد زالنجي وقد توقف هذا بعدنا لمدة طويلة فيما بعد دخلت كل الخدمات لقرية زالنجي ،الأستاذ الراحل المقيم بشير محمد أحمد وهو كفاءة نادرة كان أول مدير ومؤسس لمدرسة زالنجي الابتدائية والآن مدرسة زالنجى ليها شنة ورنة وكل اصطافها من اللعوتة ومعظم الاصطاف معلمات ..وكذا المساعدين الطبيين في الشفخانة …أما الكهرباء والردمية فكانت بدعم مباشر من الاستاذ احمد المصطفي إبراهيم صاحب (الاستفهامات) عندما شرع في قيام مشروع رائد للزراعة المختلطة بالاتفاق مع شركة فرنسية برعاية تامة من حكومة الولاية وإدارة مشروع الجزيرة ..طبعا (الجماعة الطيبين ) طرشقوا المشروع ولكن الحمد لله الكهرباء والردمية وصلتا زالنجي ..لهذا المشروع قصة تقطع المصارين سنحكيها إن شاء الله في مناسبة أخرى عشان تعرفوا إن مشروع الجزيرة (حارسوا البعوعي).
(4)
عندما اجتاح الدعم السريع الجزيرة مع بداية حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣م كانت مناوشاته لزالنجي قبل اللعوتة لقُربها من شارع الإسفلت وكان في كل مرة يهجم الدعامة عليهم يستجيرون بقرية اللعوتة ثم يعودون الي منازلهم بعد خروج الدعامة..أما هجوم الدعم على اللعوتة في ١٤ نوفمبر ٢٠٢٤ فقد كان مختلفاً حيث اخرج كل سكان القرية ثم تفرّقوا على الكنابي والقرى المجاورة وكان لزالنجي النصيب الأكبر من نازحي القرية …أنا شخصياً وأسرتي الصغيرة كنت ضمن الأسر التي أمضت سحابة يوم الغزو في الخلا (الحواشات) وعند المغيب اتجهنا إلى زالنجي حيث استقبلنا الاهالي خارج القرية بمسافة ٢ كيلو متر بحفاظات المياه والكوارو والدردقات لحمل العجزة والمرضى وتشهد الله بالدموع كذلك ..وتم توزيع النساء والأطفال على المنازل أما الرجال فقد انقسموا على مسجدى القرية.. وكان أكل الرجال في تكايا أما النساء والأطفال كانوا في استضافة مباشرة من الأسر ..وهنا حدث العجب العجاب حيث تم التنازل من الأسرة (العناقريب) ليفترش أهل البيت الأرض …والتنازل من الحليب للأطفال الضيوف ..ويعجبوك أولاد زالنجي المغتربين والدهابة حيث تم تحويل المليارات في ذات الليلة وفيما بعد أقيم صندوق مشترك.
(5)
بعد ثلاثة أيام اتضح أن عدد النازحين أكبر من الطاقة الاستيعابية للقرية فخرجت بعض الأسر للحاق بالأسر التي نزحت إلى ألتي والمسيد رغم أن الخروج نفسه كان مخاطرة ، فالدعامة في كل مكان فكنت من الذين ذهبوا إلى ألتي في رحلة الساعات الطويلة التي حكيتها من قبل..كانت حاجة حواء كرامة في غاية الزعل لابل والغضب… عندما استأذناها في مغادرة منزلها رغم أنه لديها بقية من ضيوف وكذا أبنائها على رأسهم علي أحمد وبناتها وعلى راسهن فاطمة التي زرفت الدمع سخياً لخروجنا من منزلهم ..معظم نازحي القرية بقوا في زالنجي إلى رجوعهم للقرية حيث كان التدامج في أعلى مراحله …الأطفال تعلّقوا ببعض ..اية بنت أخينا مصعب حسين التوم ذات الخمسة سنوات مازلت حتى اليوم تحتفظ بعدد من مفردات لغة المراريت وبالمناسبة جدها وخالنا الحسين التوم الكباشي خريج اقتصاد جامعة الخرطوم ١٩٦٤م وصاحب الماجستير من جامعة أمريكية مرموقة والذي وصل أعلى درجات السلم الوظيفي بوزارة المالية والذي كان رافضاً لأي منصب سياسي الي ان نزل المعاش معززاً مكرّماً .. اكمل كل أيام النزوح بزالنجى وسجل إفادة صورة وصوت ،ومعه رهط من شيوخ القرية يشكرون فيها أهل زالنجي ..
بعد أن عدت من الخارج في مايو المنصرم كان من أول واجباتي زيارة زالنجي حيث اصطحبت بناتي اللائي كُن معي في النزوح وبعض الأحفاد وأمضينا وقتاً طيباً مع حواء كرامة وأسرتها الكريمة… فتنزلت الذكريات والضحك على بعض المواقف في تلك الأيام ..وهنا تذكرت كلمات فاطمة التي قطعت معنا مسافة أكثر من ٢ كيلو مودعة لنا ونحن نسير في الوحل متجهين إلى ألتي وهي تقول باكر الحصل دا كله حايبقى ذكريات نضحك فيها .فعلاً يا فاطمة لقد أصبح ذكريات وضحكنا فيها وغسلنا أحزاننا لكن الدخل البطون ما بغسله الصابون ..
وللحديث عن الكنابي بقية إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top