العملات الأجنبية تسجل مستويات قياسية الجنيه السوداني.. تراجع مخيف

العملات الأجنبية تسجل مستويات قياسية

الجنيه السوداني.. تراجع مخيف

الدولار يحلّق عالياً.. الحرب وزيادة الطلب

شح النقد الأجنبي يفاقم الأزمة.. السوق الموازي يتحكم

هيثم فتحي: الاقتصاد يعيش حالة ركود تضخمي غير مسبوق

تراجع الإنتاج والصادرات .. استنزاف الاحتياطيات

الذهب والتحويلات خارج القنوات الرسمية.. نزيف مستمر

تقرير – رحمة عبدالمنعم
يواصل الجنيه السوداني رحلة التراجع الحاد أمام العملات الأجنبية، في ظل تداعيات الحرب المستمرة التي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الوطني، وأدت إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية وتعطيل الأنشطة الإنتاجية والتجارية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على سوق النقد الأجنبي وأسعار الصرف.

ارتفاع
وسجلت العملات الأجنبية خلال الأيام الماضية مستويات قياسية جديدة في السوق الموازية، وسط استمرار الطلب المرتفع على النقد الأجنبي مقابل تراجع المعروض منه، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث.
وبحسب بيانات متداولة في أسواق النقد، استقر سعر الدولار الأمريكي عند حدود 4300 جنيه سوداني، مع تفاوت الأسعار بين الأسواق المختلفة لتتراوح بين 4200 و4400 جنيه للدولار الواحد.،كما بلغ سعر الدرهم الإماراتي نحو 1171.66 جنيهاً، والريال القطري 1167.58 جنيهاً، بينما سجل الريال السعودي 1140.58 جنيهاً.
وشهد الجنيه المصري بدوره ارتفاعاً ملحوظاً، إذ تراوح سعره بين 80 و83 جنيهاً في معظم التعاملات، ووصل في بعض الأسواق إلى 85 جنيهاً، مدفوعاً بزيادة الطلب عليه من جانب التجار والمسافرين بين السودان ومصر. كما بلغ سعر الجنيه الإسترليني نحو 5810.80 جنيهات سودانية، في ظل تنامي الطلب على العملات الأجنبية خارج النظام المصرفي.
ويرى متعاملون في سوق النقد الأجنبي أن استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع تدفقات العملات الصعبة أبقيا أسعار الصرف عند مستويات مرتفعة، في وقت يتوقع فيه مراقبون استمرار التذبذب خلال الفترة المقبلة وفقاً لمتغيرات العرض والطلب.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن السودان يواجه فجوة كبيرة في موارد النقد الأجنبي نتيجة انخفاض الصادرات وتراجع الإنتاج في القطاعات الرئيسية، فضلاً عن اعتماد المستوردين بصورة متزايدة على السوق الموازية لتوفير احتياجاتهم من العملات الأجنبية، وهو ما يعزز الطلب ويضغط على قيمة العملة الوطنية.
مضاربات
وتعكس المؤشرات اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي خلال فترة الحرب، إذ أصبحت نسبة معتبرة من الأنشطة الاقتصادية والتداولات المالية تتم خارج القنوات المصرفية الرسمية، وتبرز تجارة الذهب كأحد العوامل المؤثرة في سوق الصرف، في ظل استمرار تسرب كميات كبيرة من الإنتاج خارج المسارات الرسمية، الأمر الذي يحرم الاقتصاد من موارد مهمة من النقد الأجنبي.
وفي الوقت نفسه، أدى تراجع كفاءة الجهاز المصرفي وخروج عدد كبير من الفروع عن الخدمة إلى توسع الاعتماد على القنوات غير الرسمية والمحافظ الرقمية في إجراء المعاملات المالية، ما زاد من نفوذ السوق الموازية في تحديد أسعار العملات.
ويشير متعاملون إلى تصاعد المضاربات في سوق النقد الأجنبي، مع إحجام بعض كبار التجار عن طرح الدولار للتداول انتظاراً لمزيد من الارتفاعات في الأسعار،كما تتحدث أوساط السوق عن عمليات شراء واسعة للعملة الأمريكية واحتجازها خارج التداول، الأمر الذي يسهم في تقليص المعروض ودفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه الممارسات، إلى جانب ضعف التدفقات الخارجية وتراجع الإنتاج المحلي، قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على الجنيه السوداني خلال المرحلة المقبلة.
ركود تضخمي
في السياق ذاته، أرجع الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني إلى حالة الركود التضخمي التي يعيشها الاقتصاد حالياً، وهي الحالة التي تتزامن فيها معدلات التضخم المرتفعة مع الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة.
وقال فتحي لـ”الكرامة” إن ضعف التعاون الدولي وتراجع المساعدات المالية الخارجية، إلى جانب الأضرار الكبيرة التي خلفتها الحرب في اقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة هيكلية، أسهمت بصورة مباشرة في تسارع انهيار قيمة العملة الوطنية.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود عالمياً ومحلياً، وتزايد المخاوف داخل الأسواق، خلقا حلقة مفرغة من انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي والنقدي والسياسي في البلاد.
وأوضح أن الجدل المتواصل حول استيراد السلع والخدمات الاستراتيجية، خاصة الوقود، انعكس بصورة مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، ما أدى إلى ارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات عبر مختلف مراحل سلسلة الإمداد.
وأشار إلى أن فقدان السودان لجزء كبير من موارده النفطية، وتراجع عائدات عبور نفط جنوب السودان، إلى جانب السياسات الاقتصادية المتضاربة وعدم فاعلية بعض الإجراءات المالية السابقة، ساهمت جميعها في تفاقم أزمة سعر الصرف.
ولفت فتحي إلى أن القطاعات الإنتاجية الرئيسية، وعلى رأسها الزراعة والصناعة والتعدين والنفط، شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال سنوات الحرب، بينما توسع اقتصاد التجارة والخدمات على حساب الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي، الأمر الذي أضعف قدرة البلاد على توليد العملات الأجنبية.
وأكد أن استعادة الاستقرار للجنيه السوداني تتطلب تنفيذ إصلاحات اقتصادية وهيكلية شاملة، تشمل إعادة هيكلة المؤسسات المالية، وتبني سياسات نقدية متوازنة للحد من التضخم، إلى جانب دعم القطاعات الإنتاجية وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وشدد على أهمية إطلاق مشروعات إعادة الإعمار لتحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل، فضلاً عن تشجيع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال توفير بيئة أعمال مستقرة وشفافة، وتعزيز التعاون مع المجتمع الدولي لضمان تدفق المساعدات والتحويلات المالية من الخارج.

إصلاحات ضرورية
ويجمع مختصون على أن معالجة أزمة سعر الصرف تتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات المالية والنقدية، تشمل استعادة موارد الذهب والصادرات إلى القنوات الرسمية، وتطوير مؤسسات السوق المالية، وتعزيز الانضباط المالي، وتنظيم الاستيراد بما يخدم القطاعات الإنتاجية.
ويؤكد الخبراء أن استقرار الجنيه السوداني لن يتحقق عبر إجراءات جزئية أو مؤقتة، وإنما من خلال معالجة الاختلالات الهيكلية التي تفاقمت بفعل الحرب، وإعادة بناء الثقة في النظام المصرفي، وزيادة الإنتاج والصادرات، بما يسهم في تعزيز الاحتياطي من النقد الأجنبي ووضع الاقتصاد السوداني على مسار أكثر استدامة في المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top