منظمة العمل القانوني العالمي رفعت دعوى في نيروبي
المليشيا.. ملاحقة خارجية
الخطوة لمكافحة الإفلات من العقاب.. مساءلة
انتهاكات التمرّد في الطريق للعدالة.. رسالة
تحرّك القضاء الدولي.. تثبيت رواية السودان
تقرير: محمد جمال قندول
في إطار تضييق الخناق على أفعالها وجرائمها في حق الإنسانية، أقدمت منظمة العمل القانوني العالمي على رفع دعوى جنائية أمام القضاء الكيني، وذلك إنابةً عن مواطنين سودانيين لاستهداف قيادات في مليشيا الدعم السريع أمام محكمة خارج السودان. وتضمنت الدعوى خلفيات ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
الانتهاكات
وبحسب وكالات الأنباء، فإن القائمين على أمر الدعوى القضائية في كينيا ذكروا بأن ما فعلوه يهدف إلى تعزيز المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب، ومنح الضحايا فرصة للوصول إلى العدالة عبر الآليات القانونية الدولية.
وكان نحو “12” مواطناً سودانياً، بحسب مواقع إخبارية، قد رفعوا دعوى لاستهداف قيادات في مليشيا الدعم السريع أمام محكمة خارج السودان، وذلك بسبب ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأن الدعوى شملت شهادات من ناجين كشفوا عن تعرضهم للاحتجاز والتعذيب والعنف الممنهج خلال فترة النزاع.
وتضمّنت الدعوى أحداثاً جرت بولاية الخرطوم من أبريل 2023 وحتى مارس 2025م.
تطور مهم
ويقول رئيس تحرير صحيفة المقرن، محجوب أبو القاسم، إن رفع دعوى قضائية جديدة يعد تطوراً مهماً في مسار ملاحقة الانتهاكات المرتكبة من قبل المليشيا خلال الحرب، وتعكس تزايد الاهتمام الدولي بمبدأ عدم الإفلات من العقاب، خاصة في الجرائم التي ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ويشير أبو القاسم إلى أنه من الناحية القانونية فإن اللجوء إلى القضاء الكيني استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية يعد مساراً مشروعاً ومتاحاً في القانون الدولي، إذ يسمح لبعض الدول بالنظر في الجرائم الدولية الخطيرة متى ما توفرت الشروط القانونية اللازمة، بغض النظر عن مكان وقوعها أو جنسية الضحايا والمتهمين.
وأضاف بأن الخطوة تبعث برسالة واضحة مفادها أن الانتهاكات الجسيمة التي شهدها السودان خلال فترة الحرب لن تظل بعيدة عن أعين العدالة ولن تُنسى، وأن الضحايا وأسرهم باتوا يبحثون عن كل السبل القانونية المتاحة لإنصافهم واسترداد حقوقهم.
وفي المقابل، فإن نجاح هذه الدعوى سيظل مرهوناً بقدرة مقدمي الشكوى على تقديم أدلة وشهادات موثقة وقابلة للتحقق، إضافة إلى مدى استعداد السلطات القضائية الكينية للتعامل مع الملف وفقاً لمقتضيات القانون والإجراءات العدلية المتبعة.
واختتم محجوب إفادته بأن هذه الدعوى تمثل سابقة قانونية ذات أهمية كبيرة، وقد تفتح الباب أمام دعاوى مماثلة في دول أخرى، بما يعزز مسار العدالة والمساءلة بشأن الجرائم والانتهاكات المرتكبة في السودان، ويؤكد أن تحقيق العدالة للضحايا يظل مطلباً أساسياً لأي عملية سلام واستقرار مستقبلي في البلاد.
ترتيبات
وعلق الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي، وقال إن أهمية الدعوى الكينية لا تكمن في نتائجها القانونية المباشرة بقدر ما تكمن في دلالاتها السياسية وتوقيتها، لا سيما وأن الحرب دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها المعركة مقتصرة على السيطرة على الأرض، بل امتدت إلى توظيف الأدوات السياسية والقانونية.
وفي هذا السياق، تبدو الدعوى جزءًا من انتقال الصراع إلى ساحات القضاء الدولي والإقليمي، حيث يسعى السودان إلى تثبيت روايته للحرب وإدانة المليشيا أخلاقياً وقانونياً أمام المجتمع الدولي.
وبحسب شقلاوي، فإن التطورات الأخيرة تتزامن مع إعلان وزارة العدل السودانية تكثيف جهودها لإقامة دعاوى دولية ضد مليشيا الدعم السريع والدول الداعمة لها، ما يشير إلى وجود مسار متكامل تعمل عليه الدولة لتحويل ملف الانتهاكات إلى أداة ضغط سياسي وقانوني. فالحكومة تدرك أن موازين القوة في النزاعات الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما أيضاً بالقدرة على كسب التأييد الدولي وعزل المليشيا دبلوماسياً.
ويرى د. إبراهيم أن الرسالة السياسية الأهم، قبل أن تُوجه إلى الداخل السوداني، موجهة للعواصم الإقليمية والدولية التي ما تزال تتعامل مع الدعم السريع باعتباره فاعلاً سياسياً يمكن إشراكه في أي تسوية مستقبلية.
إذ تسعى هذه التحركات إلى رفع الكلفة السياسية والقانونية لأي انخراط أو دعم أو تطبيع مع قياداته وداعميه المحليين والإقليميين.
وفي المقابل، تفتح هذه الخطوة باباً لتطور آخر لا يقل أهمية، وهو احتمال تحول ملف العدالة إلى أحد محددات العملية السياسية القادمة.
ويذهب محدّثي إلى أنه مع تراكم الدعاوى والاتهامات الدولية، أصبحت مسألة المساءلة جزءاً من أي تفاوض مستقبلي، وهو ما قد يضع شروطاً للتسوية من جهة، أو يدفع نحو ترتيبات سياسية وقانونية جديدة من جهة أخرى.
لذلك يمكننا القول إن الدعوى الكينية، بصرف النظر عن مصيرها القضائي، تعكس تحولاً في استراتيجية التعامل مع الحرب من مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة إلى مرحلة بناء الضغوط القانونية والدبلوماسية.
واعتبر شقلاوي أن الصراع السوداني يتجه تدريجياً نحو تدويل أوسع لملفاته، ليس فقط عبر الوساطات السياسية، وإنما أيضاً عبر آليات العدالة الإقليمية والدولية.
غير أن السؤال السياسي الأهم يبقى: هل تمثل هذه الدعاوى مقدمة لعزل الدعم السريع دولياً وإعادة تشكيل البيئة التفاوضية من حوله، أم أنها ستكون مجرد أوراق ضغط ضمن صراع أكبر لم تُحسم موازينه بعد؟ هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه تطورات المرحلة المقبلة أكثر مما ستجيب عنه قاعات المحاكم وحدها.






